مطلوب تذكرة سفر باتجاه واحد

قرأنا عن الهجرة حين كنّا أطفالًا. لم تكن قراءة مختارة بل كانت درسًا من دروسنا في المرحلة الابتدائيّة. حفظنا أعداد المهاجرين والدول التي انتقلوا إليها والأعمال التي امتهنوها. درسنا عن الهجرة كجزء أساسيّ  من تركيبة هذا البلد الفريد. في المناسبة، الفرادة كانت أيضًا أحد الدروس التي تعلّمناها في المدرسة، يضاف إليها لبنان الرسالة، وهوعنوان عجز العالم عن فكّ طلاسمه. شكّلت الهجرة حالةً ثابتة، مثل مساحة لبنان وطقسه المعتدل شتاءً والحارّ صيفًا، وفصوله الأربعة، وجباله وبحره، ونظامه الخدماتيّ وخلافه. درسنا عن الهجرة في كتاب الجغرافيا أكثر ممّا درسنا عنها في كتاب التاريخ، ما يعني أنّها لم تكن يومًا حالةً طارئةً أو عابرةً حصلت في حقبةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، فاقتضت الإشارة إليها حرصًا على الموضوعيّة وتجنّبًا لإخفاء الحقائق مهما بدت مؤلمة (نحن أسياد الموضوعيّة وتوحيد كتاب التاريخ ليس مطلبًا أقدم من التاريخ نفسه!). درسنا عن الهجرة بوصفها مفخرة من مفاخر الوطن، وعن المهاجرين بوصفهم أبطالًا رفعوا اسم لبنان عاليًا، من جبران خليل جبران إلى حسن كامل الصبّاح مخترع الكهرباء الذي تغرق بلاده في العتمة (أحد أوجه الفرادة) وسواهما من الأسماء التي لا مجال لذكرها هنا، فالقائمة طويلة وطويلة جدًّا ولا تستثني من كان جدّ جدّه لبنانيًّا حتّى إن كان المعنيّ نفسه غير مدركٍ أصله الأول، أو غير مهتمٍّ لا بسِيَر أجداد الأجداد ولا بصلة الرحم التي تجمعه بهم. نحن الفخورون بنجاحات اللبنانيّين في المهجر، نتكفّل بأن نبحث عميقًا في أصل وفصل كلّ عبقريّ أو مشهور، وأن نُعلن على الملأ بتباهٍ واعتزازٍ منقطعَيِ النظير، ونُطبّل ونُزمّر حتى لو تبيّن أنّه الحفيد ما بعد العاشر لجدٍّ ذي أصولٍ لبنانيّة. نُصبح جميعنا أنتربولوجيّين وإثنولوجيّين، لنؤكّد أنّ هذا النجاح أو هذه الموهبة أيًّا كان نوعها، فقد نبتت جذورها في بلاد أرز الربّ. سلمى حايك، شاكيرا، الرئيس البرازيليّ السابق ميشال تامر رئيس بلاد الدومينيكان الحاليّ دانيلو ميدينا وسواهم، هم مواطنون لبنانيّون سقطت هويّتهم الأمّ على درب هجرة الأجداد، لكنّ نجاحاتهم ارتبطت بهذه الهويّة، وإلّا فما الذي يبرّرهذا السعي المحلّيّ الدؤوب لفحص الـ “دي أن أي” لكلّ من يسطع اسمه عالميًّا في الأدب أو الفنّ أو العلوم أو السياسة. بمعنًى آخر، لم تقدَّم الهجرة في المناهج المدرسيّة على أنّها خيارٌ سيّئ أو فعلٌ يتمّ بالإكراه، بل بدت أشبه بالحلم وحرّكت لدى كلّ طالب قرأ وحفظ واستظهر قصص المهاجرين الأوائل، الرغبة الجامحة في خوض غمار التجربة. إنّها القيمة المُضافة التي عليه اكتسابها حتى يرقى إلى مستوى أعلى. يلد اللبناني بمهاجرًا بالفطرة، كما تلد رغبة الماروني برئاسة الجمهورية ما إن يتكوّن جنينًا وكذلك رغبة السنّي في ترأس الحكومة أما رغبة الشيعي فما تزال طموحًا مؤجلًا أو بالأحرى غير معلن

قرأنا عن الهجرة أطفالًا في المدرسة، ثم عايشناها شبابًا ومراهقين خلال الحرب. آنذاك، لم تبدُ خيارًا ظالمًا، بل بدت أفقًا جديدًا أكثر اتساعًا ورحابةً من بلاد الأرز التي استحقّت في حينها لقب بلاد البارود والنار. لم يُشفق “الصامدون”  في الوطن، أو بالأحرى الذين لم تُتح لهم فرصة مغادرته، على أولئك الذين يهجرونه، بل ربّما حسدوهم في قرارة أنفسهم. لم يغادر السواد الأعظم منهم تحت تهديد السلاح، لم ينتقلوا في سفن الموت التي يغرق معظمها في البحر كما يحصل مع اللاجئين السوريين والليبيين والتونسيين والأفغان، بل  شكلت مغادرتهم مفخرةً أخرى وتأسيسًا لظهورعباقرة جدد يرفعون اسم لبنان عاليًا، هذا الهمّ الأزليّ الذي ليس له أيّ تفسير منطقيّ أو علميّ. وكلّما ازداد، استطرادًا، منسوب هذا الهمّ كلّما انرلقنا نحو الهاوية. عاش المهاجرون حياةً طبيعيّةً في حدّها الأدنى حتّى لا نقول الأقصى ونُتّهم بالمبالغة. عاشوا حياةً فيها أحلام. عانوا فراق الأحبّة ونوستالجيا الأمكنة والذكريات، ولكن “الصامدون” لم يغرفوا في حينها من نبع السعادة، ولا كانوا يغمّسون الخبز المرقوق في جاط الكبّة النيّة ويرتشفون كأس العرق، ثمّ يُمسكون على الدبكة. عانى المهاجرون من دون شكّ، ولكنّهم كانوا ينفخون صدورهم ويرفعون رؤوسهم عاليًا عندما يتحدّثون عن ابنهم الذي دخل إلى هارفرد أوعن ابنتهم التي تخرّجت من كامبريدج. ولا شكّ أنّ الأجيال القادمة من اللبنانيين ستبحث في شجرة عائلة الوطن وتفتخر ذات يوم بانجازاتها. حتّى الذين ذهبوا باتجاه القارّة السمراء حصدوا ما يرغبون في التباهي به، بيوت بل قصور ومال وذهب وألماس وسيارات فارهة. لا شكّ في أنّ المهاجرين عانوا، ولكنّهم غادروا طواعية بحثًا عن ترقٍّ اجتماعيّ وعلميّ وماليّ. عانى المهاجرون لكنّهم لم يكونوا لاجئين سياسيّين؛ بكى المهاجرون واشتاقوا لكنّهم لم يكونوا منفيّين. وهنا يكمن الفرق كلّ الفرق. استطرادًا، الهجرة  ليست امتيازًا لبنانيًّا ولا ضريبةً يدفعها اللبنانيّ دون سواه. إنّها آفة المجتمعات الفقيرة ودول العالم الثالث الذي ينتمي إليه بلدنا الحبيب، (بلد الفرادة والرسالة) رغم أنّ أبناءه يرطُنون باللّغات الأجنبيّة ويتفوّقون دائمًا على أنفسهم   

أقول لكلّ من ينظّر في أهمية الصمود وضروراته، لكلّ من غادر البلاد وعاد إليها بعد أن اطمئنّ إلى مستقبله ومستقبل أولاده، لكلّ من وضع جواز سفر أجنبيّ في جيبه ليضمن ألّا يموت على باب المستشفى، أقول لكلّ هؤلاء صمودكم اليوم هو لزوم ما لا يلزم. هو ليس صمودًا بل موقفٌ ومزايدةٌ لا قيمة لهما سوى استفزاز من لم يغادر الوطن لأنّه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعندما أراد أن يفعل جاء من يقول له: لا،لا تستسلم، لا يجوز، اصمد! الغربة قاسية وطعم التبّولة فيها “غير”! لهؤلاء أقول: مزّقوا جوازات سفركم الثانية، واصمدوا بعدها وناضلوا قدر ما تشاؤون، اجعلوا لصمودكم معنًى حقيقيًّا وليس فلوكلوريًّا، وإلّا فاصمتوا ولا تنتقدوا كلّ من يُفكّر اليوم في الهجرة. بلى، كانت الهجرة خلاصكم؛ لا تنكروا هذه الحقيقة. ونحن بقينا ليس لأننا نحب الوطن أكثر منكم، وإذا ادّعينا ذلك، فنحن نزايد عليكم بقدر ما تزايدون أنتم علينا. وحتى ننجح في أن “نفهم على بعض”، لا بدّ من أن نتبادل الأمكنة، اصمدوا في الوطن واشبعوا منه ودعونا نذهب نحن بدلًا منكم لنعيش تجربة المعاناة في المهجر. فلنتبادل الأدوار إذن

نلطم على الهجرة ولا نذهب إلّا عند الطبيب “خريج بلاد برّا”، نلطم على الهجرة ونزيّن جدران بيوتنا ومكاتبنا في كلّ مهننا بمهارات اكتسبناها في الخارج. نلطم على الهجرة ونروي عن إنجازات أبناء شعبنا العظيم في المهجر، نلطم وسنلطم أكثر بل سننتحب في حال مُنعنا من الهجرة حتّى لو تحوّل بلدنا إلى جنّة على الأرض. نحن مهاجرون بالفطرة، بالجينات، وبلدنا محطة ومرقد عنزة وكلمات في أغنية وطنية فقط لا غير

لا يندرج موقفي هذا في سياق تبنّي (أو الدفاع عن) الشريط التسيجيليّ الذي روّج للهجرة، وانقسم إزاءه البلد إلى وطنيّين وغير وطنيّين، ودار الردح لأيام وليالٍ، فإمّا أن تكون مع أو تكون ضدّ، فلا رأي ثالث في هذا الموضوع كما في كلّ القضايا في وطننا الحبيب، من الأكثر تفاهةً إلى الأكثرعمقًا وتعقيدًا (نموذج آخر للفرادة والرسالة). ورغم أنّني من أكثر المتحمّسين لمغادرة البلاد، ورغم أنّني أقول وأردّد أن الطابور الوحيد الذي سأقف فيه يومًا هو الطابور أمام شبّاك التذاكر لشراء تذكرة ذهاب من دون إياب، لم أشعر بالتماهي مع هذا الشريط التسجيليّ. لم أتأثّر، لم أتفاعل، لم أحزن، أسفت فقط على تدنّي المستويين الفنّي والمهنيّ للعمل. شعرت أنّه شريط تسجيلي دعائيّ للبنان بالاتجاه المعاكس، شريط يعتمد على نفس القاعدة الترويجيّة الكلاسيكيّة لأيّ منتج. لا يختلف منطق هذا الشريط عن الإعلانات الترويجيّة التي تبثّها وزارة السياحة فتُظهر قلعة بعلبك من دون محيطها البائس، أو سوق البترون من دون مشروع سلعاتا، أو آثار صور من دون التحليل والتحريم، أو قلعة صيدا من جبال النفايات المجاورة لها، وأسواق طرابلس من دون باب التبّانة وجبل محسن. يدعو الشريط إلى الهجرة على لسان أناس (مع احترامي وحبّي الكاملين لعايده صبرا وزكي محفوظ) يملك معظمهم خيارًا ثانيًا أصلًا. يُشبه هؤلاء في حديثهم المهاجرين _العائدين الذين يقولون لنا: اصمدوا. أقول لهم في المقابل إذا كانت لديكم القدرة على الهجرة فارحلوا، واحترموا مشاعر من لا يملك هذا الخيار. لم أنسَ استفزاز الشريط التسجيليّ إلّا حين سمعت الغيارى يقولون: الوطن ليس فندقًا. بالطبع هو ليس فندقًا، لأنّك في الفندق تحصل على إقامةٍ مُحترمةٍ مقابل ما تدفع لأجله. يا ليت لبنان كان فندقا، فلو كان ما كنت لأفكّر في أن أرحل عنه يومًا، ولا كنت لأندم أشدّ الندم على عدم مغادرته حين أتيحت لي الفرصة. لبنان ليس فندقًا ولا يرقى حتّى إلى مستوى مزرعة، لبنان شيء هجين ما من تسمية تفيه حقّه. وأن تغادر هذا الشيء الهجين لا يعني أنّك  جبانًا أو متخاذلًا، بل محبًّا للحياة تحت عنوان مهاجر

اللعنات ستلاحقكم حتّى جهنّم

اصمتوا جميعكم. اصمتوا صمتًا مُطبقًا. لا تتفوّهوا بكلمة أو بحرف. لم يعد أحدٌ يرغب في سماعكم. أصواتكم، تصريحاتكم، كلامكم الأجوف بات أشبه بحفلات التعذيب في السجون. وقعه أسوأ من صوت نقطة ماءٍ على صفيحٍ بارد. اصمتوا فقط. خذوا مناصريكم وجماعاتكم، خذوا كلّ من لا يزال يصدّقكم، خذوا كلّ من لديه القدرة على تحريك يديّه للتصفيق لكم بدلًا من رجمكم، خذوهم إلى قاعات مقفلة أو ساحاتٍ بعيدة واكذبوا عليهم قدرما تشاؤون

اصمتوا جميعكم لأنّ للعهر حدود. احفظوا ماء وجهكم إن كان ثمّة ما تحفظونه بعد. اصمتوا ولا تفتحوا أفواهكم إلّا لتعترفوا أنكم سرقتمونا ونهبتمونا ودمّرتم البلاد والعباد ولا تزالون مستمرّين بكلّ وقاحة رغم أنّه لم يعد هناك ما تسرقونه. لقد جفّفتم الينابيع واستوليتم على الموارد وأغرقتم البلاد في ديونٍ ستحتاج إلى أكثر من جيلين وربّما ثلاثة لإيفائها

اصمتوا جميعكم لأنّنا لا نحتاج إلى سماع اقتراحاتكم الفارغة وحلولكم الخاوية ومشاريعكم البائسة ووعودكم الكاذبة التي لن تنتشل البلاد ممّا هي فيه، بل ستزيدها غرقًا لأنّ المطلوب ليس حلولًا ترقيعيّة أو مقاربات تجميليّة بل تغييرًا جذريًّا يبدأ بصمتكم أولًا ورحيلكم أولًا وثانيًا وثالثًا وعاشرًا. رحيل يشمل السلطة بكلّ أطيافها ومكوّناتها وأصولها وفروعها السابقة والحاليّة. رحيل لا يستثني السلطات التي تعاقبت على الحكم في لبنان والتي، وهنا الطرافة، تلعب دور المعارضة اليوم وتنتقد بوقاحة مُستفزّة كأننا كنّا نعيش في زمنها القريب في سبات ونبات وننعم بالبحبوحة والازدهار ونتميّز باقتصادٍ منافسٍ وبيئةٍ خلابّة لم تصل فيها رائحة النفايات إلى دول الجوار وربّما أبعد من ذلك. رحيلٌ لا يقتصرعلى أرباب السلطات المتعاقبة فحسب، بل يشمل الأولاد والأحفاد الحاليين والمحتملين والأقارب وكلّ من يمت لهم بصلة دم. رحيل يشبه ما فعله هيرودس حين أمر بقتل جميع الاطفال من عمرالسنتين وما دون في بيت لحم وجوارها بعدما جاء المجوس من المشرق يسألون عن المولود، ملك اليهود. رحيل يضمن أرضًا نظيفة لا يلوّثها أحد من سلالتكم. تلك تكون بداية الخلاص

img_4614

اصمتوا جميعكم واخجلوا إن كنتم تعرفون للخجل معنًى. أنهكتم الشعب بخلافاتكم على حصصٍ ليست لكم أصلًا. استخدمتم سياسة فرق تسد، فقسّمتم البلاد والعباد أفقيًّا وعموديًّا وبكلّ الأشكال الهندسيّة ليصبح أيّ عنوان مهما بدا تافهًا موضوع سجال لا ينتهي. حجّمتم أحلام المواطنين وطموحاتهم ليُصبح أقصاها الحصول على تيّارٍ كهربائيّ من دون انقطاع. جعلتموهم يلهثون وراء قوتهم اليوميّ ليبدو كلّ من يفوز به بطلًا. قوتٌ يُسقطون منه يوميًّا صنفًا جديدًا بسبب غلاء سعره. قوتٌ تخلّى عن طبق الكبّة النيّة التراثي والمشاوي ليوم الأحد واللحوم عمومًا لسائرأيام الأسبوع. استنزفتم طاقة المواطنين على توافه الأمور حتّى خارت قواهم ولم يعد لديهم مطلب سوى الإفراج عنهم ليرحلوا عنكم ما دمتم ترفضون الرحيل عنهم. اصمتوا جميعكم واخجلوا إذا كنتم تعرفون معنًى للخجل، فأنتم لا تحقّقون المراتب الأولى سوى في الفساد والسرقة وهدر المال العالم، وتحتلّون المراتب الدنيا في كلّ ما له علاقة بالتطور والتقدم وحفظ كرامة الإنسان. حوّلتم لبنان إلى بلدٍ متسوّل ينتظر المساعدات التي تتقاسمونها في ما بينكم قبل أن يحصل عليها. سمعتكم السيئة باتت حديث الصالونات والأروقة الدوليّة. تتعرّضون للمساءلة القانونيّة الدوليّة بشأن سرقة المال العام، وتتذاكون على المجتمع الدولي كما تذاكيتم طوال عقودٍ على الشعب اللبناني. مبروك من القلب! لقد بتّم مدرسة في الفساد تستنبطون نظريّات جديدة في الاقتصاد وتسنّون قوانين غرائبيّة لنهب ودائع المواطنين بوقاحةٍ وتعالٍ قلّ نظيرهما. سجلّنا العدلي بات موسومًا بعاركم. تخشى دول العالم استقبالنا خوفًا من أن نمزّق جوازات سفرنا ولا نعود إلى بلادنا، بلاد الأرز. يحصل كلّ هذا وأكثر، وأنتم تتلفّتون حولكم وترفعون رؤوسكم في الهواء وتصفّرون وكأنّ هذه التهم تعني سواكم! من أين تستمدّون هذه الوقاحة؟ أيّ نوع من الطعام تتناولون وأي هواء تتنفّسون حتّى أصبح  جلدكم أكثر سماكة من جلد التماسيح؟

اصمتوا جميعكم، بل اقطعوا نفس لأنكم كلّ ما تفوّهتم خسرتم من رصيدكم الذي أصبح تحت الصفر. طأطئوا رؤوسكم كما يفعل السارقون. وهذا الرذاذ الذي تشعرون به ليس شتاءً في عزّالصيف، بل هو بصاق الموطنين الذين ستلاحقكم شتائمهم حتى القبر. لن يكتب عنكم التاريخ بل سيكتب ضدكم. لا حاجة لكتابة تاريخ لبنان الحديث أصلًا، إذ يمكن اختصاره بعبارة واحدة: وقد حكم لبنان زمرة من السارقين والفاسدين اعتبارًا من مطلع التسعينيّات، نهبوا خيراته وأفلسوه وماتوا بداء الجشع والتخمة بعدما حاولوا اقتسام الشمس فاحترقوا بنارها

اصمتوا جميعكم وأنتم في طريقكم إلى جهنّم وعزاؤنا الوحيد أنّنا لن نلتقي بكم، سنكون في الجهة المقابلة نراكم تحترقون بنار جشعكم ولا نلوّح لكم بأيدينا

حوار متخيّل بين الله وملاك لبنان الحارس

  

مضى وقتٌ طويلٌ لم أسمع منك جديدًا عن أخبار لبنان، يبدو أنّ الوضع مستقرٌ هنا

لا يُعلّق الملاك، بل يكتفي بهمهمةٍ غير مفهومةٍ مُبقيًا رأسه مُنخفضًا، ممّا يثير استغراب الله فيعيد السؤال

            ماذا، هل هناك ما فاتني فعلًا

ثمّ سرعان ما يتنبّه فيقول

             آه، تقصد فيروس كورونا، ولكنّه وباء عالمي ولا أظنّ أن ثمّة ما يشغل البال في لبنان أكثر ممّا هو عليه الوضع في دول العالم

هنا يستجمع الملاك كامل قواه ويقول

               بلى، الوضع في لبنان مختلف

يضحك الله ويقول للملاك

لقد فهمت قصدك، يتمتّع اللبنانيّون بحسّ الفكاهة ويُضاهون أحيانًا المصريين في تحويل المأساة إلى طرفة، ولا بدّ أن الأمر يُسلّيهم في حجرهم المنزلي، وأتوقع أن تُزوّدني ببعض طرائفهم، فهي غالبًا ما تضحكني

يعقّد استنتاج الله الموقف، ويزيد من إرباك الملاك الذي يتنهد طويلًا ويقول بعد أن يحثّه الله على فعل ذلك

  ليس هذا ما عنيته في حديثي، وإن كنت لا أخالفك الرأي، ولكن لا أعرف كيف أقولها لقد اختلف اللبنانيّون مجدّدًا طائفيَّا ومذهبيًّا ومناطقيًّا

قاطع الله الملاك وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب

 ماذا؟ هل أنت واثقٌ ممّا تقول؟ لا، لا…لا أصدّق ذلك. يُفترض بالمصيبة أن  تجمع لا أن  تفرق، هذا ما حرصت عليه حين خلقت بني البشر

                 إلاّ في لبنان، أجابه الملاك وقد علت محيياه علامات الأسى

أعاد الله السؤال محاولًا أن يُقنع نفسه أن الملاك أساء التعبير أو ربما ألتبس عليه الأمر

هل أنت متأكد ممّا تقول؟ أوليس اللبنانيّون هم الذين صنعوا السلسلة البشرية وأمسكوا بايدي بعضهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟ رغم أنّ المشهد بدا فلوكلوريًّا في حينها، ولكنّني قلت في نفسي لقد نجح اللبنانيّون أخيرًا في تجاوز كلّ مشاكلهم الطائفيّة والمذهبيّة وسوف يبنون لبنان الجديد … من أين جئت  بعبارة لبنان الجديد، تمتم الله متفاجئًا بما بدر منه

من عند الرحابنة أجابه الملاك الذي استعاد حيويّته بعدما أزال الاعتراف الثقل عن كهله  هذا الـ لبنان موجودٌ فقط في أعمالهم المسرحية وأغانيهم التي يردّدونها قبل جولات العراك وفي أثنائه ومن بعده

تنهد الله عميقًا وطلب من الملاك أن يُخبره بالتفصيل كيف اختلف اللبنانيون بشأن فيروس كورونا

جماعة 14 آذار يقولون أن مصدره إيران وجماعة 8 آذار ينكرون ويدافعون

   قاطعه الله بنبرةٍ غاضبة

ماذا قلت ؟ 14 و8؟ ألم تخبرني في آخر لقاء أنّ هذه  التقسيمات إلى زوال بعدما جاء 17 تشرين ووجّه لهم ضربةً موجوعة؟

يبدو أنّني بالغت في التفاؤل أجابه الملاك، وقد بدت عليه علامات الخجل والارتباك. هزّ الله رأسه في إشارة إلى الملاك ليفرغ ما في جعبته، فأخبره الأخير كيف عزّز فيروس كورونا الانقسام الطائفي والمناطقي، وكيف رفض نوابٌ في البرلمان عزل منطقتين مسيحيّتين ارتفعت فيهما نسبة الإصابات ما لم تُعزل في المقابل منطقتين مسلمتين

   ستة وستة مكرّر حتّى في التعامل مع وباء يُهدّد العالم، تمتم الله محاولًا أن يكتم غيظه

صمت الملاك قليلًا محاولًا أن يتبيّن موقف الله ممّا سمعه، والأهم أن يعرف إن كان يرغب في سماع المزيد. أومأ إليه الله في إشارة من رأسه لمتابعة حديثه رغم حنقه واستيائه الشديدين. أخبره الملاك أنّ الأحزاب الطائفيّة عادت بقوّة للعمل على استمالة الناس إلى صفوفها من خلال اللعب على الوتر الطائفي، وقد وصلت وقاحة بعضها إلى صناعة كمّامات تحمل إشارة الحزب، كما روى له أنّ سكّان منطقة الطريق الجديدة اعترضوا على إقفال القوى الأمنيّة للمطاعم والمقاهي في منطقتهم وقالوا: إذهبوا وأقفلوها في الضاحية الجنوبية قبل أن تأتوا إلينا. استشاط الله غضبًا وصرخ بأعلى صوته

ما هذا؟ لا أصدّق ما تسمعه أذنيّ! هل أنت متأكد ممّا تقوله؟ هل تتحدّث فعلًا عن الشعب اللبنانيّ، أم أنك ضللت طريقك وذهبت إلى كوكب آخر وصادفت شعبًا ظننت أنّه الشعب اللبناني؟

كان الله يقلّب بيديه، ويهزّرأسه، ويحدّث نفسه متسائلًا إن كان قد خلق اللبناني من طينة مُختلفة عن سائر البشر: “هل أخطأت في الطبخة مثلًا؟ ولكن مهلًا أنا خلقت الإنسان، ولم أخلق شعوبًا منفصلة بعجنات مختلفة. ما هذا؟ هل سأشكك بنفسي بسبب اللبنانيين؟

استفاق الله من شروده على صوت الملاك الذي كان مستمرًا في سرد الاخبار، وقد بدا على عجلة من أمره في إنهاء  هذه الجلسة وخصوصًا أنّ ليس في جعبته خبرٌ واحدٌ مفرحٌ، سمعه يقول

اختلفوا في تقييم أداء وزير الصحّة

شهق الله من شدّة الدهشة، فسارع الملاك إلى شرح المسألة على أمل أن يُخفّف ذلك من غضب الله، وهو أمرٌ مستبعدٌ بطبيعة الحال. أخبره إلى أن أنصار الوزير كادوا أن يصنعوا له تمثالًا تقديرًا لجهوده في محاربة كورونا، في حين أن المعترضين على الحكومة لم يروا حاجةً لشكره أو حتّى لتوجيه تحيّةً له على اعتبار أنّه يقوم بواجبه ولا شكر على واجب

نهض الله عن عرشه، وقد بلغ حنقه أعلى الدرجات، وصرخ بانفعالٍ هرع على أثره عددٌ كبيرٌ من الملائكة إلى القاعة حيث يتواجد الله مع الملاك الحارس للبنان

ما حاجة الوزير إلى تمثال؟؟ ثمّ ما العيب في توجيه تحيّة شكرٍ وعرفان للوزير حتّى ولو كان يقوم        بواجبه. أوليس اللبنانيّون هم من يمدحون رئيس الوزراء الكندي ليل نهار ويتغنّون بإنجازاته التي لا ناقة لهم  فيها ولا جمل، علمًا أنّه لا يفعل سوى ما يميليه عليه واجبه. ما هذا الإنفصام؟

تراجع الملاك خطوتين إلى الوراء، وكان يهمّ في الانحاء في إشارة إلى أنّه أنهى تقريره عن لبنان حين استمهله الله وسأله

أين هم جماعة 17 تشرين؟ أين هم صنّاع الانتفاضة؟ ماذا يفعلون؟ ولماذا لا يتحرّكون؟

أجابه الملاك بنبرةٍ حزينةٍ

أخشى أن تكون هذه الثورة قد دُفنت في مهدها

قاطعه الله

ما هذا التشاؤم؟ درب النضال طويل ويحتاج إلى مثابرة، لماذا هذا النفس الانهزامي؟

بكى الملاك، وقال

يبدو أن فيروس كورونا قضى على الثورة، إذ أن اللبنانيّن انطووا مجدّدًا في أحضان طوائفهم عند أول استحقاق يواجهونه. انقسموا وتفرقوا وعادوا الى نغمة التخوين وتبادل الاتهامات. لقد أهدروا فرصةَ تاريخيّة في إنقاذ لبنانهم من المُستنقع الذي يغرق فيه منذ ثلاثين عامًا

كان الله يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا والملاك يبكي بصمتٍ مطأطأ الرأس، سأله الله

هل يُعقل ألا يكون بين جماعة 17 تشرين أناس صادقون؟ لقد رأيت مشهدًا مؤثرًا جدًا في أيام الثورة الأولى، أين ذهب هؤلاء؟ انتصرت عليهم الطائفة وهزمهم الزعيم؟ هل هذا ما يُفترض أن استنتجه من كلامك؟ ألم يرفعوا شعار “كلكن يعني كلكن”، بالمناسبة لم يعجبني هذا الشعار، وجدته “كليشه”، ولكن قلت لابأس به في الوقت الحالي ما دامه قادر على حشد الناس

كفكف الملاك دموعه وأخبر الله كيف أن الأحزاب الطائفيّة والزعامات السياسيّة تغلغت بين المتظاهرين واستغلت الثورة وحوّرت أهدافها. خاف المواطنون: منهم من انكفأ وعاد إلى بيته مُحبطًا، منهم من التحق مجدّدًا بطائفته وحزبه وزعيمه، وقلّة قليلة جدًا ما تزال تعمل وتناضل وتؤمن بالثورة. هؤلاء صفقوا لوزير الصحة حين وجب ذلك وانتقدوا الحكومة بقساوة حين لمسوا أّنها تحاول تمرير مشاريع من تحت الطاولة. هؤلاء فقط يعطون كلّ ذي حق حقّه، ولكنّهم قلّة قليلة وأخشى عليهم من أن تبتلعهم نيران الطائفية والمذهبيّة والزبائينيّة المستعرة من حولهم

أطرق الله مُفكّرًا بعد أن جلس على عرش مجدّدًا واتكأ على عصاه، وسأل الملاك

الحل؟ هل لديك تصوّرما؟

هزّ الملاك رأسه بخجلٍ وأجاب الله

لقد استوحيته من إحدى الطرائف التي تداولها اللبنانيون في عصر الكورونا. لقد رفعوا صورة لعزرائيل يدعو المواطنين للخروج من بيوتهم لأنّه ينتظرهم في الخار

قهقه الله عاليًا وكلّما حاول أن يستجمع قواه غرق مجدّدًا في الضحك

رهيبون هؤلاء اللبنانيين، من أين يأتون بهذه الأفكار

ثمّ غرق الله في موجة جديدة من الضحك، قبل أن ينادي على الملاك عزرائيل ليُرسله في مهمة مستعجلة إلى لبنان يخطف خلالها أرواح السياسيين والطبقة الحاكمة وكلّ من تسوّله نفسه أن يحتمي بطائفته أو يسوّق للخطاب المذهبي. سأل الله الملاك

هل لديك اقتراحات تقدّمها لعزرائيل؟

ابتسم الملاك، وقد غمرته فرحة عامرة

بكل تأكيد، أصحاب المصارف أولًا وتكر بعدها السبحة

سأل الله الملاك

            هل لديك شيء تضيفه

أجابه

            أود أن أنهي خدماتي في لبنان

أنتظر وحسب

أمّا وقد دخل الحجر المنزلي أسبوعه الرابع، يُمكنني أن أؤكد لكم أنّه لم يكن ممتعًا على الإطلاق، بل قابضًا على الأنفاس والمزاج، ومُدمّرًا لخلايا الجهاز العصبي من دون رحمة. أدركت الأمر منذ اليوم الأوّل، ولكنّني آثرت الصمت تجنبًا لتهمة بثّ الطاقة السلبيّة والتعرّض لمُعاقبة قاسية على صفحات التواصل الاجتماعي يُنفّذها بحقّي جيش الطاقة الإيجابية. رغم أنّ التهديد ما يزال قائمًا، أظنّ أنّ الرغبة في البوح بحقيقة مشاعري وهواجسي تستحقّ بعض المجازفة

لا أدري فعلًا إذا دخلت في الأسبوع الثالث أم الرابع من الحجر. لم أعد أحسن احتساب الأيام، فالعلامات الفارقة التي استنبطها من حركتي اليوميّة واستخدمها لتنشيط ذاكرتي، سقطت كلّها دفعة واحدة في زمن العزل الكوروني. لا أميّز الأيام ولا أعرف متى يبدأ الأسبوع ولا متى ينتهي. لعلّها المرّة الأولى التي أفكّر في شكل الأسبوع فلا أراه سوى دائريّا، أمّا الأيام فأتخيّلها خطّا طويلًا لا أميّز نهايته. أنظر إلى الساعة لمامًا، وقد لا أنظر إطلاقًا. أنساها أو أتناساها، لا فرق، مرميّة في إحدى زوايا البيت. هذه الزوايا التي أُدرج التنقيب فيها وتأمّلها ضمن قائمة”فوائد الحجروإيجابيّاته“. لم أجد شخصيًّا أيّ فائدة للحجر سوى الحؤول دون إنتشار فيروس كورونا وحماية حياة أهل هذه الأرض بدءًا من الأكثر قربًا وصولًا إلى الأكثر بعدًا في المقلب الآخر من الكوكب حيث كنت أخطط للسفر في صيف هذه السنة المنكوبة. لا أقلّل من أهمية هذه الفائدة ولا أعارض موجباتها، بل أرى أنّها الفائدة الوحيدة المُهمّة التي تستحقّ من دون نقاشٍ أو استثناءات عناء العزل المنزلي، وكلّ ما عدا ذلك من إيجابيّات ليس سوى تجميلًا زائفًا ومُفتعلًا يرفع مستوى التوتّر، توتّري، إلى أقصى درجاته. لا أرى النصف المُمتلىء في هذا الكوب، كوب العزل، وتفعل فيّ الدعوة إلى استنباط الإيجابيّات أو اختراعها فعل المُسكن مع الألم، فما إن ينقضي مفعوله حتّى يعود مضاعفًا. حاولت أن أدخل لعبة الإيجابيّات، بل أن أستمتع بالإقامة الجبريّة عملًا بالنصائح التي يبثّها جيش الطاقة الإيجابيّة، ولكن من دون جدوى. وغالبًا ما كانت تأتي النتائج بمفمعولٍ عكسيّ لترفع منسوب الإحباط والكآبة مع حلول المساء. لا أُخفي سرًا، حين أقول إنّني كنت عضوًا فاعلًا في هذا الجيش قبل حقبة الكورونا، ورفعت حتّى الأمس القريب شعار ”الحياة ما بتستحق هلقد قهر“. أخال، وأنا أكتب هذه السطور، أنّ هذا الشعار نفسه هو مصدر قلقي واكتئابي واستيائي، فالكورونا هو القهر الذي لا تستحقه الحياة في معناها الواسع والشامل. يُصبح القهر مُضاعفًا في ظلّ تجميل القبح (العزل المنزلي) والتذاكي لإنتاج حياة مُصطنعة تُشبه وجه امرأة فعلت فيه عمليّات التجميل والسيليكون فعلها المقيت وحوّلته لعبة جفصين باردة، خالية من أيّ انفعالات أو تعابير إنسانيّة. لا يبدو هذا الكلام شعبيًّا، ولكنّه يعكس حقيقة مشاعري التي تتلهّى بي ليل نهار

 إ”فرحو في العزل، اكتبو في العزل، إقرأو في العزل، شاهدو الأفلام في العزل، إطهو في العزل، نظّفو بيوتكم في العزل…“ دفعة النصائح هذه التي لا يتوانى جيش الطاقة الإيجابيّة عن بثّها على مدار الساعة، تثير حنقي وتستفزّ سخريتي إلى حدودها القصوى. فحين تتحوّل المتع الصغيرة (باستثناء التنظيف والطبخ اللذين لم أعتبرهما يومًا من المُتع) إلى فعل أمرٍ فرضه الواقع تسقط عنها صفة المُتعة لتصبح واجبًا، وهو الصنف الذي لا أحسن التعامل معه وأفشل عند المحاولة فشلًا ذريعًا. أقرأ حين يحلو لي، وكذلك أفعل فيما يخصّ الكتابة أو مشاهدة الأفلام، أو حتّى في التواصل مع الأصدقاء الذي لا ألمس حلاوته إلّا حين يكون حيًّا ومُباشرًا. أنعزل عندما أرغب في ذلك، كثيرًا ما فعلتها ولا بدّ أن أفعلها طوعيًّا، مرارًا وتكرارًا، في حال نجوت من وباء الكورونا. لعّل الأمر مرتبطٌ بالمزاجيّة التي تغلب على طباعي وبالرغبة الدائمة في التفلت من كلّ القيود. أهرب من السائد والمألوف وأبحث دائمًا عن الإختلاف، أنسحب من القطيع لأغرّد خارج سرب التنميط ليس بنيّة التمايز ولكن تلبيةً لرغبةٍ داخليّةٍ جامحةٍ بالرفض الدائم لما يحظى بالإجماع. تمرّد طفولي ربّما أبى أن يغادرني

تبدو الدفعة الأولى من نصائح جيش الطاقة الإيجابيّة أكثر رأفةً وقبولًا وتحمّلًا من الدفعة الثانية التي تتجاوز الاقتراحات العمليّة لتمضية الوقت إلى الدعوة للتأمّل الوجودي. هنا تقع الطامة الكبرى! وهل فعلًا يحتاج الناس إلى وباء ليطرحوا على أنفسهم الأسئلة الوجوديّة؟ وهل أعطي الكورونا وكالةً حصريّةً للتحفيز على التفكير ومن بعدها مباشرة المسامحة والتسامح. وماذا عن كلّ الويلات التي عايشها الجيل الذي يشهد على كورونا اليوم، ألم تكن كافيةً لإجراء التمرين الوجودي؟؟؟ لعلّ أكثر ما سمعته أو قرأته في هذا الإطار سذاجةً، القول إنّ العالم سيتغيّر بعد الكورونا، وسيصبح البشر أكثر إنسانيةً، وسيتعلّمون الدرس الذي لقّنتهم إيّاه الطبيعة. أقول: هراء، وأفضّل هنا التعبير بالإنكليزيّة ”بول شيت“. العالم يزداد وحشيةً لا إنسانية. وكلّ وباءٍ يُمعن أكثر فأكثر في كشف الجانب الوحشي لدى بني البشر. نظرة سريعة في زمن الانتظار إلى التاريخ القديم والحديث، أو ربّما الاكتفاء بحادثة إقدام بعض الدول على سرقة الكمّامات من درب دول أخرى تؤكد أنّ تفعيل الإنسانية  في أزمنة المصائب والأوبئة هو محض هراء. غدًا حين ينتهي كورونا، ستعاود البشريّة إلى ممارسة عدائيتها من حيث انتهت في المشهد قبل كورونا، علمًا أّنها لم تنفك عن فعل ذلك أثناء الوباء

فكّر، عزيزي المعزول بنفسك، بإخفقاتك الكثيرة ونجاحاتك المحدودة، بأحلامك وطموحاتك، بالأذى الذي ألحقته بالآخرين أو الأذى الذي ألحقوه بك. فكّر من أنت؟ من تكون؟ وماذا تريد؟ فكّر بالخلق والنجوم والمجرّات ولا تنقطع عن التفكير حتّى لوأدّى بك الأمر إلى الخروج مجنونًا من العزل، المهم أن تخرج، وهنا تكمن روحيّة مفاهيم الطاقة الإيجابيّة. حسنًا، ولكن ماذا عن الذين سبق أن أنهوا هذه المهام التفكيريّة، وأنا واحدة منهم؟ ماذا نفعل؟ هل نعيد التفكير، انطلاقًا من أنّ في الإعادة أفادة!!! لقد سبق أن فكّرت وفكرّت كثيرًا. تصالحت مع نفسي، ومع ناسي، ومحيطي، ومجتمعي، ومع الكون. قبلت الآخر وتركت له حريّة أنا يقبلني أو يرفضني متفهمةً خياره. أيقنت أنّ الشعار الذي رفعته يومًا: ”الحياة ما بتستحق هلقد قهر“ ذو فعاليّة مستدامة. ولأنّ الحياة على ما هي عليه قرّرت أن أعيشها ولا أهدرها على توافه الأمور، أن أستغل كلّ لحظة وأجعلها لحظة حياة وحياة فقط. جاءت كورونا لتعيق تفكيري الإيجابي، لتجمّده، لتسرق أيامي التي كنت أنوي أن أسرق لحظاتها الحلوة، ماذا أفعل؟ أنتظر وأنتظر فقط لأغتنم فرصة الحياة مجدّدًا. أنتظر بشوقٍ لأن أراقب صخب الحياة من على شرفة منزلي و ألوّح لها بيدي، ومن ثم أتابع قراءة رواية ما بين يديّ. أنتظر من دون إطلاق دعوات الحب والحنان واستحضار فائض العواطف لأغمر به كلّ من هم حولي فعليًّا وإفتراضيًا. لم يُحفزني فيروس كورونا على فعل ذلك. لقد عايشت ظروفًا أكثر صعوبةً وتعقيدًا وكانت أكثر كفاءة في استنفار منظومة مشاعري بعفويّةٍ وصدقٍ تاميْن. تخليّت عن توافه الأمور قبل حقبة كورونا، تعلّمت استخدام الأذن الطرشاء في الاستماع إلى ما لا يعجبني، أتقنت عدم خوض نقاشات بيزنطيّة، ومرّنت نفسي ولا أزال على الابتسام بدلًا من الردّ الذي لا أرى منه طائلًا في مواضيع خلافيّة. لم أفعل ذلك وأنا أنظر إلى السقف بانتظار القضاء على وباء كورونا، أو وأنا أستجلب سعادة مُزيّفة واحتفاليّة بلهاء باستغلال وقت العزل إيجابيًّا. فعلته على مرّ الأيّام والأعوام والإخفاقات والإحباطات، ودفعت ثمنه الكثير من الدموع والألم والخسارات والكثير أيضًا من التمرّد؛ وقلت آن الأوان لأن أعيش الحياة كما أرغب لا كما يجب وفق منظومة قوانين تمعن في تقييد الإنسان بدلًا من أن تحرّره.  قرّرت أن أعيش الحياة كما أرغب بعد أن أيقنت فعلًا ”أن الموت قد يكون أفضل طريق إلى الحياة“ (نقلا عن الرفيق برلين في لا كازا دي بابل). لا فضل للعزل المنزلي بذلك ولا لمسبّبه فيروس كورونا الذي لم يفعل سوى تأكيد المؤكد في منظومة قناعاتي. لذا، كلّ ما أفعله في حقبة كورونا هو الانتظار. أنتظر بقلق وتوتر. لم يكن الانتظار والهدوء يومًا مُكمّلان لبعضهما أو مُتجانسان أو يمكن إيرادهما في حالة نفسيّة واحدة. أنتظر بخوفٍ ورعبٍ من أن تسبقني الحياة وهي تفعل حتى ولو كان كل الكوكب معطلًا، فالحياة تسير وفق شروق الشمس وغروبها، وتنزع كلّ مساءٍ صفحةً من يوميّات لم أكتب عليها سوى عبارة الانتظار. أنظر إلى السقف من دون أفكار كبيرة وخطيرة. أنتظر وحسب

وفي اليوم الـ33: أين أصاب المنتفضون وأين أخطأوا

73342354_402363734019939_605301552185344000_n

 

 حين نزل المواطنون إلى الشارع عشية 17 تشرين الأول، لم يكن هناك مُخطّطًا للتحرّك، ولا استراتجيا للاستمرار، ولا لائحة بالمطالب، ولا حتّى ثقةً بأنّ هذا التحرّك سيأتي بأيّ نتيجة إيجابيّة. كانت صرخة غضب لا أكثر ولا أقل، لم يكن متوقّعًا أن تتجاوز أصداؤها المتظاهرين أنفسهم. ولكن ما فاجأ المتظاهرين قبل أن يُفاجئ السلطة أن صراخهم لاقى تجاوبًا منقطع النظير، فلبّى مواطنون آخرون الدعوة لتمتلئ الساحات على مدى الأيام التالية في مشهدٍ موحّدٍ قلّ نظيره يجمعه العلم اللبناني ولا تفرقه مناطقيّة أو طائفيّة أو مذهبيّة. تحوّل المتظاهرون في رياض الصلح خلال أيامٍ قليلة إلى منتفضين انتشروا على مساحة الوطن وأجمعوا على المطالبة باستعادة حقوقهم في العيش الكريم. لقد نجحت السلطة، مشكورةً، لمرةٍ واحدةٍ استثنائيّةٍ أن توحّد المواطنين على مطلبٍ واحدٍ: وقف الهدر والفساد، المحاسبة، واستعادة المال المنهوب. ”ليس لدينا مطالب بل لدينا حقوق“. قد تكون هذه العبارة الأكثر بلاغةً واختصارًا وتعبيرًا عمّا دفع اللبنانيين إلى الشارع بعدما نزعت عنهم صفة المتظاهرين الذين يسعون إلى تحقيق مطالب محدّدة، وحوّلتهم إلى مُنتفضين يستردّون حقوقهم المُغتصبة
ممّا لا شكّ فيه أنّ الثورة حقّقت منذ انطلاقتها الأولى وحتّى اليوم انجازاتٍ كثيرة ومتنوّعة، قد لا يكون ما تحقّق سياسيًّا أهمّها. ورغم أنّ هذه الانجازات لم تعد خافيةً على الرأي العام عمومًا، لا بدّ من الإشارة إلى أبرزها، وخصوصًا تلك التي أخافت الطبقة السياسيّة وأربكتها أكثر من إسقاط حكومة، وتعطيل انعقاد جلسة مجلس النواب لمرّتين متتاليتين، أو فرض دفع فواتير الخلوي بالعملة اللبنانيّة عوضًا عن الدولار الأميركي على سبيل المثال لا الحصر. لقد استعاد المواطنون ثقتهم بأنفسهم وأدركوا أنّ لديهم صوتًا مؤثّرًاغير ذاك الذي يُسقطونه في صندوق الانتخاب لصالح زعماء الطوائف. لقد سقطت مقولة ”شو طالع بإيدنا“ كما سقط مشهد ”الغنم“ الذي يُساق إلى قدره، وحلّت مكانهما صورة شعبٍ يؤمن بأن لديه القدرة على استعادة حقوقه المسلوبة. وحّدت الثورة الساحات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا ببيروت ووصولًا إلى البقاع. سقطت الحواجز النفسيّة وزال الخوف من المواطن الآخرالذي أصبح شريكًا في بناء الوطن الجديد. لعلّها المرّة الأولى، بعد مرور ثلاثين عامًا على انتهاء الحرب اللبنانيّة، التي سقطت فيها الحواجز فعلًا لا قولًا. أصبحت المناطق والساحات تُسمى بأسمائها بعدما كانت تُعرّف بـ”مناطقهم“ و”مناطقنا“. عادت بيروت عاصمةً جامعةً غير مُقسّمة بين ”شرقيّة“ و ”غربيّة“، هذا التقسيم الذي انتجته الحرب ولم يلفظه السلم، بل ظلّ قائمًا في القاموس الشعبي اللبنانيّ وراسخًا في الذاكرة. تعارف الناس فيما بينهم في الساحات. تحدّثوا وناقشوا، سُمعوا واستمعوا وهو ما لم يحصل منذ انتهاء الحرب، ولو حصل لما آل حال البلاد إلى ما كان عليه حتى 17 تشرين الأول. شكّل التواصل الإنساني والاجتماعي إحدى علامات هذه الثورة الفارقة. الناس كلّ الناس من مختلف الأعمار والأجناس والانتماءات الطائفية والمذهبية والطبقية وحتّى السياسيّة التقوا وهتفوا ضد السلطة الفاسدة، وهنا بيت القصيد. تلك هي اللحمة التي أخافت السلطة وجعلتها مربكة وعاجزة عن التصرّف. مشهد لم تعتد عليه، مشهد نذرت حياتها السياسيّة لبناء نقيضه، مشهد اتّحدت بكلّ مكوّناتها المتنافرة والمتضاربة  للحؤول دون تشكّله في الوعي الجماعي لصالح تعزيز الخلاف بين مكونات المجتمع على أسسٍ طائفيّة ومذهبيّة ضيّقة. لا يخيف السلطة السياسيّة إسقاط حكومة في الشارع على أهميته، ولا يعيقها تعطيل مجلس النواب في جلستين متتاليتين رغم استثنائيّة هذا الفعل ورمزيته. لديها فائض من الدهاء والخبث والإنكار للتعامل ما هذه الوقائع كأنها تحصل في كوكب آخر. وليس التأخر في تشكيل الحكومة سوى دليل ساطع على ذلك. ولكن ما يخيف السلطة السياسيّة فعلا هو اجتماع اللبنانيين من مختلف الأطياف تحت راية العلم اللبناني وعلى وقع هتاف واحد: ثورة، ثورة، ثورة
أخطأت السلطة وأمعنت في ارتكاب الأخطاء(راجع المقال السابق)، ولكن ماذا عن الثوّار، ألم يُخطئوا أيضًأ؟ لقد فعلوا ذلك من دون شك، وهذا طبيعيّ وبديهيّ ويحصل في كلّ التحرّكات الشعبية أيًّا كان حجمها وأيًّا كانت أهدافها. ولكن من المجحف بحق الثورة والثّوار مقارنة أخطائهم بأخطاء السلطة، وأيّ محاولةٍ لوضعهم على قدم المساواة على هذا المستوى أنمّا يهدف إلى الحطّ من قدر الثورة وإجهاضها. فالثورة في صورتها الراهنة حالة شعبيّة غير مُنظّمة ضمن أطر كلاسيكيّة، لا قائد لها ولا ”مجلس قياديّ“ و”لا ضباط أحرار“… تلك هي أبرز نقاط قوتها وضعفها في آن: قوية لأنّها جامعة من دون غطاءٍ حزبيّ أو طائفيّ أو سياسيّ يُسيّرها وفق أهوائه، وضعيفة لأنّ القدرة على اختراقها في مثل هذه الحالات تصبح مرتفعة ومتاحة. ثمّة خطر آخر مرتبطٌ باحتمال أن تفقد الثورة زخمها بعدما يُصاب المنتفضون باليأس فيتراجع حماسهم، وهو ما لا يحصل عادة حين تكون الثورة بقيادة حزبية تملك دائمًا أدوات اشعال الشارع ومدّه بمقومات الصمود. ولكن السلطة، مشكورةً هنا، قامت بدور الأحزاب. فبقدر ما راهنت على تعب المنتفضين ويأسهم بقدر ما كانت تمدّهم بأسباب جديدة تدفعهم إلى عدم مغادرة الساحات. كانت تشدّ عصبهم باستعلائها وتكبرّها وتجاهلها لما يجري من حولها. انطلاقًا من خصوصية الثورة اللبنانية، من المجحف الحديث عن أخطاء، بل هي هفوات قد يؤدي تجاهلها أو انكارها إلى الإضرار بالثورة ويحوّلها إلى أخطاء قاتلة وخصوصًا أن المتربصين بها كثر والمتضررين منها يسعون إلى اسقاطها ولا يوفرون مناسبة لذلك
يخطئ المنتفضون إذا ظنّوا أن العالم الخارجي سيقف متفرجًا عليهم، وأن جلّ ما سيفعله هو التصفيق لهم إعجابًا ودهشةً بخروجهم من كلّ العباءات الطائفيّة والمذهبيّة التي ارتدوها لأعوام خلت. ويخطئون أكثر إذا ظنّوا أن لبنان يغرد خارج محيطه ومحيّد عن كل الصراعات المحيطة ، وأن السلطة أو بالاحرى حزب الله حصرا هو الذي أدخله في لعبة المحاور، وأنّه في حال  تمّ القضاء على هذه السلطة، سيعود لبنان كما درسناه في كتب التاريخ والجغرافبا واحة الحريات وقبلة الشرق…لذا، من الخطأ أن ينتفض المنتفضون كلّما سمعوا ان هناك جهات خارجية تستفيد او ستستفيد من هذه الثورة وتسعى الى توظيفها لمصلحتها. الملاحظة ليست تهمة بل حقيقة يجب عدم الاستهانة بها
يخطئ المنتفضون حين يقلّلون من أهمية وجود متسلقين يحاولون استثمار الثورة وتجييرنجاحاتها لغايات خاصة ومحدّدة. ويخطئون أكثر إذا اكتفوا بالقول ”لن نسمح لهم“ ومضوا كأن شيئا لم يكن. وهنا بعض الأمثلة السريعة: شعار نزع سلاح حزب الله، ليس شعارًا جامعًا بل شعار رفعه متسلّقون بإيعاز من جهات خارجية. وللتوضيح، فان تعبير متسلّق فضفاض ولا يقتصر على بعض أحزاب السلطة ومنها القوات اللبنانيّة، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب الكتائب، وتيار المستقبل، بل يشمل نسبةً لا بأس بها ممن ينضوون تحت لواء المجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية. لا يمكن تجاهل هذه الشعارات واعتبارها ناتجة عن أفراد لا يمثلون سوى أنفسهم  ذلك أن رفعها أكثر من مرّة وفي غير مناسبة أخرج الجمهورالمؤيد للمقاومة من الساحات. والجمهور المؤيد مرّةً جديدةً هو غير الجمهور المحازب
يخطئ المنتفضون حين يسمحون بالتصويب على منصب رئاسة الجمهورية وعلى الرئيس ميشال عون. إذ أنّ هذا التصويب أظهر وكأن المشكلة هي مع هذا العهد ومع رئيسه الذي تقع على عاتقه مسؤولية الهدر والفساد دون سواه. ولا يكفي رفع شعار ”كلن يعني كلن“ لإزالة تهمة التصويب على شخص الرئيس على اعتبار أنّه جزء من الكل. فادعاء البراءة هنا غير مُستحب. إنّ الأضرار الناتجة عن استهداف الرئيس ميشال عون وتحقيره تارة بالحديث عن هروبه بثياب النوم في 13 تشرين 1989 وطورا بمناداته ”ميشو“، استفز العونيين، ودفع بهم الى الخروج من ساحات الانتفاضة. والعونيون هنا، هم غير المحازبين في ”التيّار الوطني الحر“. وهكذا خسرالمنتفضون كتلة ثانية لا يستهان بحجمها انسحبت من الساحات وأصبحت ضد الثورة. يضاف إلى هؤلاء، أولئك الذين يرفضون المسّ بالمنصب الأول على اعتباره خطّ الدفاع الأخير للطائفة المارونيّة
أخطا المنتفضون حين قطعوا الطرقات فور انتهاء مقابلة الرئيس عون وادعوا أن هذا العمل  غير مدبّر أو مقرّر سلفا. كما أخطأوا حين تظاهروا في محيط قصر بعبدا وطالبوا باسقاط الرئيس، فبدا المشهد شعبويًا ويوحي بالفوضى العارمة. وكأن كل الوعي الذي تمتّع به المنتفضون خلال الأيام الأولى من الثورة قد تبدّد، أو لعلّها من أفعال المتسلقين الذي يسعون الى تصفية حسابات سياسية مع الرئيس عون. قد لا يعجب هذا الكلام الكثرين، ولهم نوجّه السؤال: ماذا يعني اسقاط الرئاسة الأولى بعد اسقاط الحكومة؟ الفوضى؟ أم أنّ ثمّة بديل جاهز تحت الطاولة سيملأ الفراغ فور حصوله؟! والقول بأنّ البلاد سبق أن عاشت فراغًا رئاسيًّا ولم تتأثر، هو دليل سذاجة سياسيّة ولا يبشر بالخير. ليس دفاعا عن الرئيس، بل دفاعًا عن الأهداف التي لأجلها اندلعت الثورة والتي يحرّفها التصويب على منصب الرئاسة الأولى عن مسارها. أليس ملفتًا أن ثمّة شخصيّات سياسية نالت حصّة الأسد من التهشيم على حساب شخصيات أخرى بدت وكأنها لم ترتكب سوى بعض الجنح عبر تاريخها السياسي الطويل؟ ثمة طرفة قد تشرح الواقع أفضل من أيّ مثال. كان أميركيّ يحدّث روسيّا عن الديموقراطية في بلاده، وأعطاه مثالًا على ذلك أن بامكانه الوقوف تحت تمثال الحرية وشتم الرئيس الاميركي، فسارع الروسي إلى التأكيد أنّ بلاده لا تقلّ احترامًا للحريات عن الولايات المتحدة الاميركيّة إذ بامكان أيّ مواطن روسي أن يشتم الرئيس الأميركي في الساحة الحمراء في موسكو. الطرفة برسم سميرجعجع وبشري، ووليد جنبلاط وساحات الشوف، وسليمان فرنجيّة وزغرتا، وحزب الكتائب والأشرفية
ينزلق المنتفضون أحيانًا باتجاه خطاب التخوين، وكلّ انتقادٍ أو ملاحظة أو لفت نظرأو تساؤل يضع صاحبه في خانة المشكوك في أمره. أيّ اعتراضٍ على قطع الطرقات أوالأشارة إلى أن أطرافا سياسيّة هي التي تعمد إلى ذلك لغايات خاصة تضع المعترض في خانة عدو الثورة، هذا مثال من عشرات الامثلة التي جعلت البعض يشعرون أنهم يتعرضون إلى فحص دم ثوري مع كلّ كلمة ينطقون بها
أخيرًا وليس آخرا، مصيبة الفايسبوك والفبركة التي يُتقنها كلا الطرفين أعداء الثورة ومناصريها، إلى التنافس في اطلاق النكات السمجة أحيانًا، أو السباب والشتائم التي تجاوزت كلّ الحدود الأخلاقيّة، أصبح ذلك مهنة قائمة بذاتها والشكوى لغير مارك زوكريبرغ، سامحه الله، مذلّة

 

 

 

وفي اليوم الثلاثين: أخطاء السلطة بالجملة والمفرق

435

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، كان السواد الأعظم من المواطنين يُديرون يوميّاتهم على إيقاع الشكوى من الأوضاع العامة في البلاد: يذهبون إلى أعمالهم ويشكون رواتبهم المتدنّية. يعودون إلى البيت ويتذمّرون من انقطاع التيّار الكهربائيّ، ومياه الشفة، وتلوّث الهواء وروائح النفايات التي تختنق بها الأجواء كلمّا هبّت نسمة. يخرجون لتناول العشاء ويثرثرون حول سوء أحوالهم النفسيّة. يرقصون ويغنّون ويسكرون ويقولون إنهم يفعلون ذلك كالطائرمذبوحًا من الألم. يتناولون المهدّئات والمسكّنات ويستأنفون دورة يوميّاتهم الممّلة معلنين استقالتهم من الوطن واستقالة الوطن منهم

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، كان السواد الأعظم من المواطنين غارقين في هواتفهم يسخّرون وسائل التواصل الاجتماعي لاستعراض حياتهم على الملأ: ماذا أكلوا، وماذ شربوا، وأين سهروا، وأي ملابس اشتروا… وقد  يطلقون بين الفينة والأخرى موقفًا من هنا أو تعليقًا من هناك يخصّ شأنًا عامًا،أو قد يعترضون على تصريحٍ أو موقفٍ أو انتخاباتٍ أو…الخ كانوا، باختصارٍ يثورون افتراضيًّا، ثمّ يعودون إلى وتيرة الـ”نق” اليوميّ التي شكّلت جزءًا من روتينهم الممل

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، كان السواد الأعظم من المواطنين يهلّلون لكلّ ثورةٍ تنطلق في أيّ بلدٍ مجاورٍأو بعيد. يتماهون معها، يُناصرون أبناءها، يشدّون على أياديهم، يُحيّونهم، يرفعون شعاراتهم تعبيرًا عن تعاطفهم، يكتبون فصولًا من نضالاتهم على صفحات التواصل الاجتماعي، كأنّهم عاجزون أن يفعلوا مثلهم

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، تداعت مجموعة من الشبان والشابات للتظاهر في ساحة رياض الصلح اعتراضًا على زيادة 6 دولارات على فاتورة الواتساب. بدت الدعوة أشبه بدعابة سمجة، أحدثت زحمة سيرٍ خانقة، وقد فاق عديد القوى الأمنية التي حاصرت نقطة التجمّع أعداد المتظاهرين. لم تمضِ ساعات قليلة حتّى انقلبت الصورة إلى نقيضها. نزل المواطنون إلى الشوارع، أحرقوا الدواليب، اعترضوا وهتفوا وصرخوا. علت أصوات من هنا ومن هناك تنتقد الشعب الذي لم تحركه كلّ الأزمات المعيشيّة والاقتصادية إلّا عندما شعر أن فاتورة هاتفه مهدّدة.  لم يتوقّع أكثر المتفائلين صمود هذا التحرّك لما يزيد عن أربعٍ وعشرين ساعة كما لو يتوقّع أن يتجاوزعدد المشاركين فيه بضع مئات. لم يصدّق المواطنون أنفسهم أن ثمّة تحرّكًا حقيقيًّا وجديًّا وأنّ عليهم أن يشاركوا فيه ويكونوا جزءًا منه. لم يطل التردّد وسرعان ما امتلأت الساحات على مدى اليومين المتتاليين لانطلاق الشرارة الأولى. الأعداد إلى ازدياد، وكذلك الساحات التي لم تعد محصورة في بيروت، بل امتدت شمالًا وجنوبا وبقاعًا. وجاء اليوم الرابع، أي نهار الأحد الذي كان استثنائيا في حشوده. تجاوزمشهد الساحات كلّ المعايير والحسابات وبدت كلّ القراءات والتحليلات عاجزة عن استعيابه. الناس متفاجئون بقدرتهم، والسلطة مربكة لا تعرف كيف تتعاطى مع حالة لم تصادف مثيلها خلال العقود الثلاثة الماضية. كانت معظم التوقّعات تشير إلى أنّ صمود المنتفضين أسبوعًا كاملًا في الشارع، سيشكّل انجازًا كبيرًا ويفرض معادلات جديدة في المشهد السياسي المحلي. لكن السلطة دافعت بكلّ شراسة عن وجودها. رفضت تقديم تنازلاتٍ كان يمكن أن تساعد في لملمة الشارع سريعًا. حسنًا فعلت لأنها خدمت المنتفضين وزادتهم عزمًا على الاستمرار قدما في تدمير الهيكل على من فيه. لم يكن هذا الخطأ الوحيد الذي ارتكبته السلطة بمختلف أطيافها، بل جاءت قائمة الأخطاء طويلة هنا أبرزها

أخطأ رئيس الحكومة سعد الحريري حين طلب مهلة 72 ساعة (من شركائه في الحكم وليس من المنتفضين) ليخرج بعدها بما أسماه ورقة إصلاحية كشفت إصرار السلطة على الاستخفاف بالناس وبمطالبهم وبتمرير مشاريع تعزّز سياسة تقاسم الجبنة (مشروعي إليسار ولينور، خصخصة الخلوي، قانون العفو العام…) ثم أخطأ الحريري ثانيةً حين قدّم استقالته، وخصوصًا أنّه لم يفعل ذلك تحت ضغط الشارع، بل حاول استغلال الشارع المنتفض خدمةً لمصالحه. ظنّ الحريري أنّ بامكانه استنفارالسنّة ليطالبوا بإعادة تكليفه لتشكيل حكومة يفرض فيها شروطه، بعدما كان مغلوبًا على أمره ومقيّدًا في الحكومة المستقيلة. كاد أن ينجح في ذلك، ولكن المنتفضين كانوا بالمرصاد ونجحوا في عزل هذه المحاولة ووأدها سريعًأ

أخطا أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله  حين خوّن المنتفضين وطلب من مؤيدي الحزب ومناصريه الخروج من الشارع. السيّد نصرالله الذي يتمتّع ببعد نظرٍ وذكاءٍ حادّ، والذي تخيف حركة إصبعه الإسرائيليين وتجعلهم يبيتون في الملاجئ، فشل في مخاطبة اللبنانيين المنتفضين في الساحات. كان بإمكانه أن يحتضن الشارع بدلًا من أن يخونّه. ذلك أن حاجة المقاومة لغطاءٍ سياسيّ لا تبّرر القبول بسلطة فاسدة ومشاركتها نظام المحاصصة. لقد فوّت حزب الله فرصة ذهبيّة في استمالة الشارع من خلال تبنّي مطالبه، وذهب عوضًا عن ذلك للحديث عن مؤامرة تحرك المنتفضين، فأضاف إلى خسائره الشعبيّة خسارة جديدة. لا يمكن لجائع أن يقاوم، كما لا يمكن لمن يشعر بالإهانة اليوميّة من سلطته أن يواجه أيّ سلطة خارجيّة حتّى ولو كانت عدّوة. قال السيّد نصرالله أنّه في حال نزل حزب الله إلى الساحات، فلن يغادرها. قال ناس الساحات للسيّد وللسلطة مجتعمةً أنّهم لم يغادروا ولن يغادروا. خسر السيّد نصرالله من رصيده الشعبي في إطلالته الثانية وهو ما لم يستطع أن يعوّضه في إطلالته التصحيحيّة (اذا صح التعبير) الثالثة. وخسر حزب الله كحزب مقاوم قسمًا جديدًا من الخط الدفاعيّ الشعبيّ له، وليس المقصود هنا محازبيه بل عموم الناس الذين يتقاطعون مع الحزب في حربه ضد اسرائيل ويختلفون معه في القضايا الأخرى

أخطا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في كلّ اطلالاته المُصوّرة والمباشرة. أخطأ لأنّه استخدم الشارع ليوجّه رسائل إلى أخصامه السياسيين، في وقت كان المطلوب منه التوجّه إلى الشعب والشعب فقط، ليس انطلاقًا من أنّه”بيّ الكل“، الشعارغير الموفق الذي رفعه العهد، بل لأنّه رئيس كلّ لبنان وليس التيار الوطني الحرّ أو العونيين.  أمّا الخطأ القاتل الذي ارتكبه الرئيس عون وفريقه الإعلامي، فكان في اجراء مقابلة لم يحمل فيها أيّ جديد يقدّمه إلى اللبنانيين بعد ثلاثة أسابيع من نزولهم إلى الساحات والإقامة فيها، ومرورعشرة أيام على استقالة الحكومة من دون البدء بالاستشارات النيابيّة لتشكيل حكومة جديدة

أخطأ رئيس التيار الوطني الحر، وزير الخارجيّة جبران باسيل في تسيير تظاهرة إلى قصر بعبدا دعمًا للرئيس عون ممّا أوحى أنّ المعركة هي بين من هم مع العهد ومن هم ضدّه. ولا يبرّر رفع بعض المتظاهرين شعارات ضد الرئيس، وهي شعارات مرفوضة ولا تشكل أساس التحرك ولا تصب في خدمة مصلحته أصلًا، أن يأتي ردّ التيّار تسيير تظاهرة دعم  إلى بعبدا يترأسها باسيل الذي يخاطب الناس بفوقيّة وتكبّر مستفزين

أخطأ محازبو التيار وحزب الله حين انكفأوا عن المشاركة في الثورة، وساهموا من حيث يدرون أو لا يدرون في الايحاء بأنّ حركة الشارع موجّهة ضد حزبيهما. بدت القوات اللبنانيّة والحزب التقدمي الاشتراكي أكثر دهاءً على هذا المستوى، بعد أن حشد هذان الحزبان أنصارهما في الساحات بصفة مواطنيني متضررين من سياسات الحكومات المتعاقبة التجويعيّة. لا أحد ينكر حق أي مواطن لبناني أيًّا كان انتماؤه السياسي من النزول إلى الشارع والتعبير عن رفضه نهب المال العام والمطالبة باعطائه ابسط حقوقه في العيش الكريم. لكن بين المشاركة والتسلّق فرق شاسع يعرفه الحزب التقدمي الاشتراكي وتتقن فنونه القوات اللبنانية استغلالًا وتوظيفًا. هنا أيضًا يكمن الفرق بين الخبث السياسي (القوات – الاشتراكي) وبين الادعاء والتعالي والسذاجة أحيانًا (التيار – حزب الله

أخطأت السلطة مجتمعةً حين اعتبرت أن المطالبة بقادة أو متحدّثين باسم الحراك (ترفض أن تسمّيها ثورة وهذا خطا آخر) بحجّة محاورتهم سيلقى آذانًا صاغية لدى المنتفضين.  وممّا لا شكّ فيه أن الوعي السياسي الذي ابداه الشارع في التعامل مع السلطة قد فاجأها  فعلا، كما أخطأت السلطة مجتمعةً حين اعتمدت سياسة النعامة مدّعيةً أنّها لا تعرف ما هي مطالب المنتفضين وتحتاج إلى من يحدّدها لها، ولكنّها أبدت، في المقابل، معرفةً تامّةً بالشعارات التي رُفعت ضد العهد حصرًا أو ضد المقاومة أو بتلك التي طالبت بنزع سلاح حزب الله. هو الخطأ نفسه في الادعاء بأنّ ما يُكتب من مطالب على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مرجعًا صالحًا للاعتماد عليه، ولكنّه كافٍ لأن يُجرّم كلّ من يكتب ضدهم بتهمة القدح والذم أو تعريض الأمن القومي للخطر

أخطأت السلطة في السكوت عن اقفال المصارف نحو شهر كامل والادعاء أن من شأن ذلك حماية الليرة وتثبيت سعر صرفها مقابل الدولار. وأخطأت أكثر حين أدعت أنّها تحاول حماية الموظفين من تنمّر المودعين. وأخطأت أكثر فأكثر في استخدام اقفال المصارف للضغط على المنتفضين والايحاء بأنّهم السبب في الانهيار الاقتصادي الحاصل في البلاد

  أخطأت السلطة مجتمعةً أو منفصلةً في كلّ موقفٍ اتخذته منذ 17 تشرين الاول وحتّى اليوم وكانت في كلّ ما تقول أو تفعل تخسر من رصيدها وتزيد من رصيد الثورة. لم يكن يحتاج المنتفضون لأكثر من انتخابات نقابة المحامين دليلًا إضافيًّا على أنّ السلطة تتّحد من أجل تأمين مصالحها

أين أخطأت الثورة وأين أصابت ، عنوان الحلقة الثانية

الاتهام في الاتجاه الخاطئ

وفي اليوم التاسع للثورة (وليس الحراك) تحدّث أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله عن تأثير الاحتجاج الشعبي على مجمل الوضع الاقتصادي، وطالب المنتفضين بتحديد مطالبهم، وتشكيل وفد باسمهم للتفاوض مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون

وفي اليوم الثامن للثورة طرح رئيس الجمهوريّة ميشال عون السؤال نفسه بشأن مطالب المنتفضين! كما يطرح المسؤولون السؤال نفسه كلّ يوم! كأنّ المواطنين يعيشون في كوكب الأرض وتعيش السلطة في كوب المريخ، وقد هبطت عليهم فجأة لتستفسرعن أسباب الصراخ

في المقابل، ما زال مندوبو بعض المحطّات التلفزيونيّة يصّرون في اليوم الحادي العشر للثورة على طرح السؤال نفسه “ليش أنت هون وشو بدك تقول؟”! بإمكان كلّ من يتساءل عن أهداف الثورة ومطالبها أن يتنقل بين شاشات التلفزة والفضائيات ليكوّن فكرة عمّا يُرديه المنتفضون. إقتراح أوليّ وبديهيّ، علمًا أن الإصرار على هذا السؤال يوحي بوجود نيّة واضحة لدى بعض المحطّات التلفزيونيّة لتحوير أهداف الثورة وحشر أسباب غير تلك المُعلنة بالخط العريض في اللافتات التي رفعت في طول البلاد وعرضها، وفي الحناجر التي صدحت حتّى بحّت: ثورة ضد السلطة الفاسدة

دخلت الثورة أسبوعها الثاني ولم تسقط في كلّ الحفر والأفخاخ التي نُصبت وتنصب لها منMKZSSBEHRS مختلف أطراف السلطة المُرتبطة بجهات خارجيّة. الارتباط ليس معلومة جديدة ولا يستدعي دهشة البعض واستنكاره وكأنّهم يسمعون به للمرّة الأولى. جميع من في السلطة مرتبط بجهات خارجيّة. ارتباطات تغطي خارطة واسعة من دول العالم: ايران، السعودية، أميركا، اسرائيل، قطر، سوريا، كوريا الشماليّة. ارتباطات تكاد تجعل من لبنان مكانًا مناسبًا لمركز الأمم المتحدة. فلكلّ دولة مربض لخيلها في هذا البلد الصغير. حقيقة يعرفها القاصي والداني. لذا، ليس مُفاجئَا أن يسعى كلّ متضرّر من الثورة العمل على إفشالها وبث الشائعات لتخويف الناس وتفريقها، أو رفع شعارات وهتافات غير جامعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر”إرهابي إرهابي حزب الله إرهابي”، أو طرح التصويت ضد المقاومة من خلال روابط تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن المنتفضين أثبتوا حتّى الآن قدرة على التماسك والحفاظ على الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة ولفظ كل الطفيليين. ليس تفصيلًا أن يكون هناك نحو مليون ونصف مليون مواطن في الساحات اللبنانيّة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا بالعاصمة بيروت وصولًا إلى البقاع. ليس كلّ هؤلاء غير مسييسين. ليس صحيحًا أنّ كل هؤلاء لا ينتمون إلى أحزاب أو طوائف أو مذاهب. ليس صحيحًا أن كلّ هؤلاء علمانيين (وإلّا كانت الدنيا بألف خير)، ولكن الصحيح أنّ لدى كلّ هؤلاء مطلبًا واحدًا جامعًا، وكلمة جامع هنا أساسيّة، وهووقف الفساد والهدر ومحاسبة المسؤولين واسترجاع الأموال المنهوبة. لذا، فإنّ إدراج مطالب خارج الأطر التي وحّدت المواطنين ودفعتهم إلى الساحات ليس بريئًا، ولا يمكن وضعه في خانة حرّية التعبير عن الرأي. وإذا كان ثمّة حديث عن مؤامرة ما فهذا صلبها. من هنا، فإن الحديث عن سلاح المقاومة وطرحه ضمن مطالب الثورة هو حديثٌ يهدف إلى شقّ صفوف الثوار واستبعاد فئة كبيرة من المواطنين الذين ما زالوا في بيوتهم رغم رفضهم لسياسة الافقار. لا يعني هذا الكلام، تحييد حزب الله عن أي مساءلة واعتباره فوق الشبهات، فهو شريك في الحكم، والشراكة تعني تحمل المسؤولية كاملة. والساكت عن السرقة لا يقل فسادًا عن السارق نفسه، هذا إذا افترضنا أنّ كلّ نوّاب حزب الله ووزرائه لم يستفيدوا من المال العام أو يشاركوا في صفقات مشبوهة، وهو ما ستظهره المحاسبة. وهذا ما يعنيه شعار “كلن يعني كلن” الذي يحتاج، في المناسبة، إلى استبدال أو تطوير أو تحديث انطلاقًا من أنّ الثورة تحتاج إلى انتاج شعاراتها الجديدة، وعدم استخدام شعارات استُنزفت وشوّهت ولم تؤد أهدافها في السابق. وما يصحّ في حالة حزب الله يصح في حالة التيّار الوطني بمعزل عن كونهما حليفين سياسيين. لم تنفجر الثورة ضد التيّار ولا ضد رئيسه السابق الذي أصبح رئيسا للجمهورية. ردّدت الثورة وتردّد المطالبة بمحاسبة كلّ المسؤولين اعتبارا من العام 1990. ويفترض أن تطال هذه المحاسبة الأحياء منهم والأموات، لتكون سابقة في لبنان. فلنحاسب الذين رحلوا أيضا على ما اقترفوه في البلاد والعباد، فإما أن  تثتب براءتهم إلى أبد الأبدين وإما أن يثبت فسادهم وتنتهي كلّ الأساطير في لبنان دفعة واحدة على أمل بناء بلدٍ جديدٍ بكلّ ما تحمل هذه العبارة من عمق ومعنى. صحيح أنّ العهد القويّ ليس الأسوأ مقارنة بعهود ما بعد الطائف. ولكن ما ينكره العونيون أنّ تيّارهم هو الأكثر تبجّحًا وادعاءً بتصويب البلاد واعتماد سياسة الشفافية، وهو ما لم يفعلوه، بل فعلوا العكس تمامًا، وستثبت المحاسبة صحّة هذا الكلام أو تنفيه

إنّها ثورة شعبية، ميزتها أنها من دون قيادات أو رأس محرّك بالإذن من كل من قال عكس ذلك مباشرة مثل السيد نصرالله أو مواربة. وكلّ حديث عن متحدثين باسم الثورة أو دعوة إلى تشكيل لجانٍ، أو أوراق عملٍ، أو تقديم مطالب هو إجهاض للثورة. من يجرؤ اليوم على تبوء منبر والادعاء أنّه يتحدّث باسم الثوّار الذين يقيمون في الشوارع منذ أحد عشرة يومًا؟. إنّها ثورة شعبيّة، لذا وجّه السيد نصرالله إصبعه هذه المرّة إلى الجهة الخطأ وحملّها مسؤولية تعطيل البلاد، بدلًا من أن يفرض على شركائه في السلطة اتخاذ تدابير اجرائية فعلية لتخفيف نقمة الناس عوضًاعن مفاقمتها من خلال خطاب المهانة والتكبّر والاستغباء الذين تناوبوا على تلاوته

يبقى جيل الشباب، الذي ولد بعد انتهاء الحرب، هو المفاجأة الكبرى في الثورة ليس في حضوره الملفت فحسب، بل في المنطق المنفتح الذي يتحدّث به. يرفض هذا الجيل إلغاء الأخر، ويقول: ” تعالوا نتحاور“، وإذا أردنا أن نعبّر عن آرائنا فلنسمح للآخر أن يفعل الشيء نفسه”. يميّز بين الحالات الفردية والتجاوزات التي تشهدها أي ثورة وبين الاختراق المنظم. أما جيل الحرب شاهدًا كان  أو مشاركًا أو ضحيّة، فهو أكثر عدائيةً وأقل رحابة صدر. قد لا يُلام على ذلك، والثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها. ولكن، فلنفسح المجال للشباب حيث لا لغة تخوين، والأهم لا توزيع علامات أو تعليق نجوم في سلّم الوطنية