الله يهدكم متل ما هديتونا

 

 

 

1630690861_0

حين كنت أعمل في مهنة الصحافة، كان شهر كانون الأول مخصّصًا لتحضير مواضيع مرتبطة بجردة أحداث السنة. لا أدري لماذا كنت أتحمّس لهذا النوع من المواضيع، علمًا أنني أخشى انقضاء الأيام التي يلازمني شعور دائم أن سرعة جرييها تزداد. وأظنّ أنّ العدد الوحيد الذي كنت أقرأه كاملًا وأحتفظ به أحيانًا في أرشيفي الخاص هو هذا العدد السنوي رغم أنني لا أحسن احتساب الأعوام، وكلّ ما حصل أدرجه في خانة الأمس القريب حتى لو مضى عقد أو أكثر على حصوله. أحبّ جردة ألاحداث السنوية لسببٍ لا أفقهه. قد يكون حب من دون سبب، ولكنّني أبغض الجردة الخاصة على المستوى الشخصي، تمامًا كما تستفزّني القرارات «المصيريّة» المرتبطة ببداية السنة الجديدة.ة 

بعد أن تحرّرت من وظيفة مهنة الصحافة، افتقدت إلى هذه الجردة من ضمن قائمة أشياء أخرى في مقدمتها رصانة المهنة نفسها أسوق هذه المقدمة ويدور في بالي سؤال واحد، ماذا عن جردة أحداث هذه السنة؟ هل تستحق المواضيع أن تُقسّم ضمن فئات وأبواب في السياسة والاقتصاد والاجتماع؟ أم أنّ عنوانًا واحدًا يُغني عن كلّ التفاصيل التي أضحت من دون أي قيمة مُضافة سوى العلك؟ عنوان واحد: الإنهيارالتام، الكليّ الشامل وسواها من المفردات التي تعزّز معنى الانهيار من  دون الحافة والشفير اللتين أصبحتا خلفنا، بل فوقنا بكثير إلى حدّ لم نعد نميّز حدودهما. هل تستحق مواقف السياسيين الكرام قاطبةً أن تُستعرض وتُحلّل وتُناقش إلّا في حال كانت الغاية التأكيد على أنّهم جميعًا نصّابون ومجرمون و”حرامية” ومتواطئون، وليست الخلافات التي تطفو على سطح الأحداث  بين الحين والآخرسوى تضارب في المصالح الشخصية سرعان ما يُعاد ترتيبها بما يخدم بقاؤهم في السلطة. هل تستحق قرارات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالتكافل والتضامن مع الطبقة السياسة الحاكمة وجمعية المصارف أن تُسترجع وتُفنّد للقول أنّهم تفوقوا على أنفسهم في نهب البلد؟ قد يفيد استرجاع القرارات لإصدار كتيب تحت عنوان: «كيف تنهب البلد في عشرة أيام» يُضاف إليه عبارة ب«وقاحة» أو «من دون يرّف لك جفن» لتعطي المضمون بعده اللبناني.ي

في جردة السنة مشاهد انتحارٍ وجوعٍ وفقرٍ وتسوّل تتكرّر كلّ يوم لتطغى على ما عداها من أحداث وأقوال وتحليلات. أيّ موقفٍ لسياسي يستحق أن يُسترجع ويُحلّل ويُناقش أمام قصة الشاب الذي انتحر في صور لأن الموت أكثر رحمة من حياة الذلّ التي يعيشها؟ في يوميّات بلدنا الذي نُهب رجلٌ في عقده السادس يركن سيارته في منتصف الطريق مُدّعيًا أنّها فرغت من البنزين لأنّه يخجل أن يتسوّل ثمن رغيف الخبز. ليس في ادعائه أيّ نصبٍ أو احتيالٍ، فتعابير وجهه كانت تشي بخجلٍ وارباكٍ كبيرين حالا من دون أن ينظر في وجه من يتسوّل منهم. في يوميّاتنا أيضًا وأيضًا شاب يجهش في البكاء أمام سيّدة  قدّمت له مبلغًا من المال أكثر ممّا كان يتوقّعه لشراء دواء لوالدته، وجندي يقول له الموظّف في المصرف أنّ حسابه مكشوف على ثلاثمئة ألف ليرة لبنانية، فيجيبه الجندي أنه يحتاج الى 50 الف ليرة فقط ليلتحق بمركز خدمته في النبطية، وعائلات افترشت الشارع لأنها لا تملك تسديد ايجار منزلها بعد أن أصبح راتب ربّ المنزل يُعادل ثمن منقوشة زعتر. قصص الذلّ لا تنتهي في بلاد الأرز، ولو أراد كل منّا أن يكتب ما يُصادفه في يوميّاته، قد لا تكفيه صحف العالم ليروي قصص ناس ناموا مطمئنين لمستقبلهم ومستقبل أولادهم، واستيقظوا في صباح اليوم التالي ليجدوا أنّهم انتقلوا إلى الضفة الثانية وأنّ كلّ ما جمعوه تبخّر، وأن عليهم أن يسمعوا لَعْيَ السياسيين وكذبهم ونفاقهم وأن يكونوا شهودًا على أكبر عملية نصب في التاريخ. في جردة السنة، لم تعد تنطلي على أي عاقل، أنّ الازدحام في بعض المطاعم والمقاهي والنوادي الليليّة دليل على عافية لبنان وقدرته على التغلب على الصعاب. عملية حسابية بسيطة تربط بين عدد المرافق التي ما تزال تعمل وقدرتها التشغيليّة وعدد روادها اليومي والأسبوعي والشهري (يمكن أن يجريها طالب في صف الخامس ابتدائي من دون الحاجة إلى عبقرية مهندسي السياسة المالية اللبنانية) تؤكد أن هذا مؤشر لا يُبنى عليه حتى الانطباع الإيجابي، فكيف بخلاصة اقتصادية كاملة متكاملة! أمّا أصحاب الطاقة الإيجابيّة وأصدقاء طائر الفينيق، فنقول لهم إن النعامة رفعت رأسها من الرمل على وقع صراخ اللبنانيين وعويلهم وطائر الفينيق قصّ جناحيه حتى لا يحلق مجددا على أنقاض البلاد والعباد، وأنتم تحبّون الارتفاع ولو على خازوق… فهنيئًا لكم. في جردة سنة مليئة بالقهر والمآسي والذّل، لا أجد سوى أدعية جدتي لتنفيس بعض الغضب والاحتقان:«الله يهدكن متل ما هدّيتونا» على أمل أن يشّق الله نافذة السماء ويسمع!ع

ملاحظة : سبق أن نُشر هذا المقال على صفحتي على فايسبوك بتاريخ21 كانون الأول 2022 

في تفوّق اللبنانيّة على السورياليّة

IMG-20201029-WA0046

حين يعجز اللسان عن الوصف أو حين تفوق المسألة، أي مسألة القدرة على التخيّل، يُحال الأمر إلى السورياليّة. إنّها الملاذ الآمن والمُنقذ من الإعتراف بالفشل في تفسير أي ظاهرة أو في فهمها أو حتّى في  قبولها. لكن حين لا تعود السورياليّة مُعبّرة عن واقع الحال، فلا بدّ أن الحديث يطال لبنان واللبنانيين. أن تصف الوضع أي وضع بالسوريالي، فهذا يعني أنك لم تبلغ الحالة اللبنانيّة بعد، أو أنّك لا تعرف ما هو لبنان ومن هم اللبنانيّون، رغم أن صيت البلاد كما صيت مواطنيه بات ذائعًا هذه الأيام

باتت عبارة لبنان أو لبناني هي الصفة الأنسب، بل الأصح في التعبيرعن الحالة ما«فوق السورياليّة » فبدلا  من القول ما هذه القصة السورياليّة، يُمكن القول ما هذه القصّة «اللبنانيّة» ليصبح المعنى أكثر دقّةً وبلاغة. والقرائن متوفّرة على المستويات كافة بدءًا من الشأن السياسي مرورًا بذلك الإقتصادي فالمعيشي وصولًا إلى الشأنين الإجتماعي والإنساني. ففي السياسة مثلًا، يتلهّى السياسيّون في لعبة توزيع الحصص والتأخر في تشكيل الحكومة والحرد والحرد المضاد كأنّهم يعيشون في عالم إفتراضي يقتصر فيه التفاعل على قلوب ملوّنة أو مكسورة أو أصابع زرقاء تبصم فترفع من رصيد هذا  اللاعب مقابل ذاك، علمًا أنّه في النهاية وكما يقول المثل الشائع «كلّو عند العرب صابون». وما همّهم أيّ أصبع أزرق يُرفع في وجههم أكان الخنصر أم الأوسط، فالبلاد هي لعبتهم المفضّلة لتقطيع الوقت وقتل الممل بانتظار إنتهاء جائحة كورونا يقرأون فيها حركة الأصابع وفق أهوائهم وحاجاتهم لها، أو يهزأون منها ويتجاهلونها، هكذا بكل بساطة.  يلعبون ويلعبون فقط متجاهلين ما يجري حولهم. إنفجار مرفأ من هنا غرق سفن الموت في طرابلس من هناك، موت مجاني في كل مكان؛ لاشيء يبدّل من مسار يوميّاتهم: يستيقظون  صباحًا، يتأنّقون، يتعطّرون ويبدأون نهارهم رافعين شعار: «إعمل نفسك ميت» كما يقول المصريّون. هذه ليست أحداثًا سورياليّة، ففي السورياليّة بعض من الواقعيّة، أما في «اللبنانيّة» فلغة الطلاسم هي السائدة 

قد يعتبر البعض أنّ لا تجديد في اللعبة السياسيّة اللبنانيّة، وأنّها باتت تفتقر إلى المخيّلة رغم أن أبطالها ما زالوا ملوك الساحة كأنّهم يتناولون مضادات الفناء. وهذا البعض مُحقّ في اعتقاده وخصوصًا أنّ الإبداع انتقل إلى المشهد الإقتصادي حيث المرح، كلّ المرح. ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان بهمّة مصرفييه، وعلى رأسهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تبوّأ المركز الأول في ابتكار قوانين وأنظمة ماليّة جديدة، قد يحتاج أعرق خبراء الإقتصاد وأكثرهم علمًا ومعرفة ونباهة إلى سنوات وسنوات لفهم علم المنطق التي يحكمها. ومن المفيد، بل من الضروري أن تُجمع كلّ القرارات الاقتصاديّة ونظام “الخرجيّة” الذي اتبعه النظام المصرفي في لبنان بعد أن وضع يده على أموال (المودعين صغارهم طبعًا وليس كبارهم) وتدرّس في الجامعات تحت عنوان: «كيف تنهب بلدًا في 24 ساعة». لذا، فإنّ وصف الوضع الإقتصادي في لبنان بالسوريالي، ينطوي على انتقاصٍ كبير وغير مقبول لفرداته وغرابته. ونظرًا لعجز اللغة العربية عن مواكبة التطورات في بلاد الأرز، وإيجاد المفردات المناسبة التي تجسّد حالتها، فإن استخدام عبارة “لبنانيّة” باتت تفي بالغرض وهي تعني تجاوز السورياليّة بأشواط، ومن صدّر الحرف ذات عصر إلى العالم، له كامل الحق في إضافة أوصاف جديدة إلى اللغة. هذا إذا أردنا مقاربة الموضوع من زاوية إيجابية إرضاءً لمن يخشون دائمًا على تشويه صورة لبنان في الخارج. لا مُبالغة أو تضخيم في وصف الوضع الإقتصادي  إنّها الحقيقة التي يُصدّق عليها السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يذوقون الذلّ أشكالاً وألوانا كلّما احتاجوا إلى سحب رواتبهم. الرواتب وليس الإيداعات لأنّ الأخيرة أتاحت للبنان تسجيل براءة إختراع في علم الكمياء تحت عنوان: «كيف تحوّل العملة الورقية ولا سيّما الخضراء منها إلى بخار». لا تكتمل الحالة «اللبنانيّة» بمعناها الـ «ما فوق السوريالي» من دون الإشارة إلى المواطن اللبناني نفسه. هنا، يصبح الوضع معقّدًا إلى حدّ كبير ويحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق لفهم تكوين هذا المخلوق من دون الوصول إلى نتائج أكيدة ومحدّدة. لم تعد نصرة الزعيم، أو التصفيق لكبير الطائفة، أو الاختلاف في الرأي الذي يتحوّل إلى خلاف وقطيعة بين أعز الرفاق والأصدقاء، من الأمور المُستهجنة رغم فظاعتها. لقد انتقلت هذه الحالات إلى خانة الأشياء التي نعتاد عليها، فنقبلها ونتأقلم معها بصفتها جزءًا من هوية وليست دخيلًا عليها. فلبناني اليوم يشبه السلطة في أدائه، وإن كان يقف في المقلب الآخر. هو أيضًا يستيقظ كلّ صباح، يشتم ويلعن الطبقة السياسية الفاسدة، يهدّد ويتوّعد متسلّحًا بوسائل التواصل الإجتماعي التي يخوض من خلالها أعتى المعارك «الدونكيشوتيّة» يهلع من صوت الرعد الذي يذكرّه بانفجار 4 آب، يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بكوابيس ليله الطويل منذ ذلك اليوم المشؤوم، يعجن الطحين العراقي الذي أتلفه الشتاء في مستودعات المدينة الرياضيّة بالسمّ ويطعمه (افتراضيّا) إلى الطبقة السياسيّة الجاحدة التي تجوّع شعبها، يستنفد كلّ الـ «إيموجي» التي يتيحها له مارك زوكربيرغ للتعبيرعن تقبلات مزاجه وحالته النفسيّة المتدهورة، يخترع هاشتغ #فيلينغ كما تفعل كاتبة هذه السطور، إمعانًا في مزيدٍ من التعبير، يسترجع يوميّات ثورته المبتورة بحنين وأسى لا ينقصهما سوى صوت الكمان أو الناي للخلفيّة الموسيقيّة، يشعر أّنّه أتّم واجباته الإنتقاميّة على أفضل وجه وحصل على التفاعل والتصفيق الاجتماعيين اللازميين للتأكيد على أنه يسيرعلى طريق الصواب لاستعادة حقوقه وحقوقه زملائه المواطنين المهدورة. يمسح عرق انفعاله، ثم يخرج من البيت ليتابع حياته مزوّدًا بنوتات مختفلة من ال«نق» يستنبطها من أجواء ألعاب أبطال السلطة وبطلاتها. يقف في الطابور أمام المصرف للحصول على ما يتصدّقون عليه من راتبه، هذا الراتب-الفتات الذي خسر ثلثي قيمته بعد تدهور سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي. يلعن، يشتم، يتوعّد، يُهدّد ويفتح هاتفه الخليوي ليسجّل مواقف مدويّة على صفحات التواصل الاجتماعي. يقع في هذه الأثناء على إعلان لتصفية على البضائع في أحد المتاجر التي تبيع علامات تجارية عالمية، يهرع إلى هناك ويحجز لنفسه مكانًا في الطابور الطويل 

 المشهد ليس سورياليّا، إنه لبنانيّ بامتياز. نجمة جديدة تعلّق على صدر هذا الوطن إلى جانب أكبرصحن حمص      

صفقة مع عزرائيل

لم يبق أمامي سوى الله ليجيبني على جملة الأسئلة التي تطحن في رأسي وتكاد تفقدني صوابي. دوّنت هذه الأسئلة على دفتر الملاحظات لأسأله بشأنها حين نلتقي، وما دمت مواطنة لبنانيّة مقيمة في ربوع الوطن، فإن اللقاء مرجح في أيّ لحظة. إنّه في الواقع سؤال جوهريّ يمكن أن أختصر به كلّ ما أود مناقشته مع الله بسبب ضيق الوقت وخصوصًا أن الصفّ خلفي قد يكون طويلًا. سأسأله: من أيّ طينة صنع السلطة السياسيّة عندنا في لبنان؟ هل ثمّة عجنة خاصة تختلف في تركيبتها عن العجنة المعتمدة لصناعة سائر المواطنين الآخرين؟ هل غفل عن إضافة المواد التي تحرّك الحواس الخمس مثلًا؟ وماذا عن الشعور؟ هل ينعدم تلقائيّا ما إن يتبوّؤن مراكز في السلطة؟

 هذه بعض الأسئلة التي تقضّ مضجعي عند كلٌ أزمة تواجه لبنان ويتجاهلها السياسيون أو يتعاملون معها كأنٌها لم تحصل أصلًا. تحضر هذه الأسئلة ثم لا تلبس أن تغيب تحت وطأة الضغوطات اليوميّة. لذا، أعمد إلى تدوينها مع تعليلٍ وشرحٍ وافيين حتّى أواجه الله بالأدلة الدامغة في حال استفسر عن أسباب هذه التساؤلات أو أنكر أحقّية طرحها. دفتر الملاحظات مليء بالحجج والأحداث الدامغة التي تؤكد أنّهم مصنوعون من غير طينة البشر.  أحداث لا مجال لذكرها هنا، فكلّ لبناني لديه ما يكفي من التجارب الخاصّة والعامّة التي تخرج هذه المقولة من فضاء الاحتمال إلى عالم اليقين.  أدوية وطعام وماء وهواء فاسد ومسرطن، سرقة ونهب وإفقار وتجويع وبعد… بوقاحة قلّ نظيرها. عينة بسيطة وسريعة تكفي لإصدار أحكام بالسجن المؤبد على كلّ مسؤول لبناني حتّى ولو كان مجرّد شاهد ولكن صامت على تسميم الناس وقتلها.  سأسأل الله عن نوع هذه الطينة، ولماذا خصّ بها الطبقة السياسية عندنا من دون سائر دول العالم؟لماذا؟

في دفتر الملاحظات والأسئلة فتحت قوسين كبيرين يتضمنان أسئلة عن طينة اللبنانيين أنفسهم.  ما هو سرّ قدرتهم على التحمل؟ ماذا عن النسيان ؟ التأقلم ؟ القبول؟ الخضوع؟ هل هي صفات حميدة؟ مميّزات وطنيّة؟ هل تلك هي حقيقتنا أم يتراءى لنا ذلك؟ نظنّ أنّنا أحياء ونحن أموات منذ زمن؟ هل منحنا هذه القدرة لتعذيبنا أم لإعطاء سياسينا مزيدا من السلطة والقوة واللذة ؟ لا سلطة من دون رعايا، ولا قوة من دون ضحايا. هل نحن مجرد عناصر لاستكمال جبروت هذه السلطة التي تستمد قوتها من ضعفنا وعجزنا. سأسأل الله حين نلتقي ولا بدّ له أن يجيبني

هذه أسئلة ما قبل الانفجار؟ انفجار المرفأ الذي لا بدّ أنّ دخانه وصل إلى عند الله، إلى عقر داره، ولا بدّ أنّ الملائكة أصيبت بالاختناق من شدّته وكثافته. أمّا بعد الانفجار لم يعد لديّ الرغبة في معرفة طبيعة الطينة وموادها الأوليّة. كنٌا نلملم أشلاء ضحايانا، كانوا يتأنّقون أمام مراياهم ويسألونها إن كان ثمّة من يتفوّق عليهم، في هذه المعمورة، في بلادة أحاسيسهم. احترقت دموعنا، وجفّ ريقنا، وأصبحنا جثثًا منها ما هو هامد ومنها ما يسير من دون هوادة (فقط في لبنان تتحرّك الجثث، ما استوجب إضافة هامدة؛ الخطأ الشائع لغويًّا على الجثث لتمييزها) وكانوا يتنافسون على المتاجرة   بالدماء التي سالت أنهرًا في بيروت. كنّا نصرخ بأصوات مخنوقه وأنفاس محروقة، وكانوا يعيدون توزيع الحصص في الوطن الإفتراضي التي قالت الشعارات إنّنا سنعيد بناؤه. كنّا نتظاهر، لا لم نكن نتظاهر، كنّا نبكي ضحايا الأمونيوم ونشيّيعهم وكانوا يرمون علينا الغاز المسيّل للدموع ويصطادوننا بالرصاص الحيّ. صمّوا آذانهم وتابعوا جشعهم كأنّ ما حصل لم يحصل. لم يذرفوا دمعةً واحدة، لم يحضنوا أمًّا مفجوعة، لم يكفكفوا دمعة طفلٍ أصبح يتيمًّا في ثوان معدودة. بكانا العالم وهم يتلفّتون حولهم ويفكّرون كيف سيسرقون المساعدات التي انهمرت على لبنان من كلّ حدب وصوب. سرقوا أعمارنا وأموالنا، جعلونا متسوّلين وجعلوا العالم يُشفق علينا. أي مذلّة هذه

 “كنا وكانوا” خطّان لا يلتقيان ولن يلتقيا أبدًا. إمّا نحن وإمّا هم.  ولما كانت تلك هي المعادلة الوحيدة المقبولة اليوم، فقد مزّقت كلّ الملاحظات والأسئلة وعدلت عن توجيه أيّ منها إلى الله. قرّرت بعد ٤ آب أن أتوجّه بحديثي إلى عزرائيل شخصيًّا.  سأساومه على طريقة الساسة اللبنانيين، سأرشيه، سأدفع له بالعملة الخضراء ليخطف  أنفاسهم واحدًا واحدًا على أن يتلف بعدها الطينة التي صنع منها الله الساسة في لبنان، ويتلف الوصفة حتّى لا تقع في يد ملاك فاسد (ساستنا يفسدون الملائكة)، فيرسلها إلى الطبقة  السياسيّة لتعيد إنتاج نفسها إلى أبد الآبدين

الثأر: رصاصة في الرأس وأخرى في القلوب المتحجرة

أكثر ما أحتاج إليه الآن هو آلة التحكّم بالزمن. وحدها هذه الآلة قادرة على أن تعيد إليّ بعضًا من توازني المفقود، أن تخرجني من جنوني الذي تسرّب إلى كلّ حواسي، أن تخفّف من شهوة القتل التي تملّكتني منذ حين لتصبح حاجةً مُلحّةً بعد جريمة مرفأ بيروت. صورة واحدة تُسيطرعلى خيالي الإجرامي الذي لم يكن جامحًا يومًا، أنا التي أدفن وجهي بين يديّ كلّما شاهدت القتل والعنف في الأفلام والمسلسلات. صورةٌ واحدةٌ تُسيطر على خيالي الإجرامي وتلازمني ليل نهار وتزداد وطأتها كلّما تكشّف حجم الدمار والأشلاء وفاضت الدموع واختنق البكاء: أحمل مسدسًا وأصوّب على رؤوسهم واحدًا واحدًا، ثمّ أُطلق رصاصةً أخرى على قلوبهم المُتحجّرة بعد أن يسقطوا أرضًا. عندها فقط قد تعلو وجهي الأسود من شدّة الحزن والأسى ابتسامة رضى.
لا أبحث عن آلة التحكّم بالزمن خوفًا من شهوة القتل التي سيطرت على كلّ حواسي، بل أريدها أن تبقى حتّى تحقيق العدالة لأنّ قتلهم كان واجبًا قبل وقوع الإنفجار الإجرامي وأصبح ضرورةً مُلحّة بعده انتقامًا للدماء التي سالت في بيروت، واحترامًا للشهداء التي زُهقت أرواحهم ظلمًا، وتعويضًا على الأحياء الذين أصبحوا أجسادًا بلا أرواح. أحتاج إلى آلة التحكّم بالزمن لا لأن أعود إلى العصر الذهبي في لبنان الذي سمعنا عنه ولم نعشه نحن جيل الحرب والمأساة، جيل الفساد والفاسدين، جيل الذين يبحثون عن الحياة في مكان آخر. لا، ليس هذا ما أسعى إليه. أريد أن أعيد الزمن إلى الساعة السادسة إلّا ربعًا من عصر ذاك اليوم المشؤوم. أريد أن يقف الزمن هناك، وأن نعود الى روتيننا الذي نشكو منه. أريد أن يشكو الناس من زحمة السير على مدخل بيروت الشمالي، لا أن تتطاير أجسادهم وتتحوّل إلى أشلاء. أريد أن ينقطع الإرسال في هاتفي الجوّال حين أمرّ في محاذاة شركة “تاتش” وأتساءل عن هذا اللغز المُحيّر وخصوصًا أنّني أحمل رقمًا من هذه الشركة وليس من منافستها. لا أريد ان أرى المبنى مهشّمًا وأتساءل من نجا من موظّفيه؟ ومن أُصيب؟ وما نوع الإصابة؟ أريد أن أراقب السيارات وأهزأ ممن يضع كمّامة وهو وحيد في سيارته، أو من يُزيلها وهو سائق “فان” مزدحم بالركّاب لا أحد منهم يلتزم بأدنى شروط السلامة الصحيّة. أريد هذه اللحظة! أريد أن أشتم الكورونا وإجراءات الحكومة التي تنمّ عن إرباكٍ وجهلٍ كبيرين. أريد أن نموت بالكورونا لا بالأمونيوم. أريد أن نختار موتنا لا أن يفرضه علينا المجرمون. أريد حين أمرّ في محاذاة شركة الكهرباء أن أرى ظلال والدي الذي عمل فيها جابيًا. أريد أن أذكره وأترحم على طيبته التي دفعته إلى دفع فواتير عن مواطنين لا يملكون ثمن الكهرباء المقطوعة. أريد هذه اللحظة، ولا أريد أن يموت زملاء له في هذه الشركة تحت جدران تهدّمت فوق رؤوسهم. جدران كان يفترض أن تقع على رؤوس كلّ من قطع عنّا التيار الكهربائي لأعوام وأعوام وأعوام وسرق ونهب ودمّر هذا المرفق الحيوي. أريد أن أسأل عن سعر صرف الدولار، وأقارن الأسعار وأشتم الصرّافين والتجّار ومصرف لبنان وحاكمه، وجميعة المصارف ورئيسها.
أبحث عن آلة التحكم بالزمن لأعيده بضع دقائق الى الوراء، فيعود حمد “الابن الطويل والحلو والمحبوب واللي عيونوعسليّات” إلى والدته التي تنتظره، أبحث عن هذه الآلة بإلحاح من أجل خطيب سحر الذي ينتظرها ليستكملا التحضيرات لزفافهما. أريدها من أجل الصورة التي تنبض بالحياة لفوج الإطفاء والتي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي. أريد لأبطال هذه الصورة أن ينشرونها فخورين بمهنتهم، فأضع لهم قلبًا نابضًا لا أن توضع تحيّة لاستشهادهم، فأضع لهم قلبًا داميًا. أبحث عن آلة التحكّم بالزمن من أجل جو ووالدته التي تنتظره حتى يعود من دوام عمله الطويل في إهراءات القمح، أبحث عنها من أجل الذين رحلوا غدرًا ومن أجلنا جميعا نحن الأحياء – الأموات.
أبحث عن آلة التحكّم بالزمن حتى لا أسمعهم يقولون أن بيروت ستولد من جديد. لا أريد لطائر الفينيق أن يُحلّق مجدّدا في سمائنا لأنّه لا يحضر إلّا بعد موتنا. بيروت تموت مع كلّ اغتيال وموت غادر، بيروت تحيا بأبنائها وتموت معهم . روح بيروت امتلأت ندوبًا، فكيف ستحيا؟ كرمى لكلّ الذين رحلوا لا تقولوا أنّ بيروت ستحيا من دونهم. لن تحيا بيروت ما لم يمت كل من أمعن في قتل روحها.
أريد أن أعيد الزمن بضع دقائق الى الوراء، أريد هذا الوقت، احتاجه بعدما أصبحث جثّة تتنفس فقط، أريده حتّى أفرّغ غضبي وأضغط على الزناد، وأقتلهم جميعًا بدمٍ باردٍ وبسمة رضى.