مات حسّي الوطني…والسلام

asasda

Screenshot_20220915-213111_Facebook تيقّنت قبل أيام قليلة أنّني فاقدة تمامًا للحسّ الوطني، علمًا أنّني لم أكن يومًا من المتطرّفات في وطنيّتهم. لا ينتابني أيّ إحساس حين أرى العلم اللبناني، ولا يقشعر بدني حين أسمع النشيد الوطني، بل لطالما تململت في مكاني وراوغت قبل الوقوف احترامًا، كما يقال كلّما عُزف النشيد في أي حفلٍ أو مناسبةٍ او تكريم ( فعل لم أفقه معناه ومؤداه أصلًا). ومن نافل القول أنّني أكون أوّل الغارقين في كرسيّ قبل أن تتناهى إلى مسمعي آخر كلمات النشيد التي لم أردّدها أو أتمتمها مع جوقة الوطنيّين لا في السرّ، ولا في العلن.
رغم ذلك ، لم أكتشف أنّ حسّي الوطني تلاشى كليًّا إلّا قبل فترةٍ قصيرة. والشكر كلّ الشكر إلى وسائل الإعلام، وكومبارسها، وسائل التواصل الاجتماعيّ الذين حين يبدؤون في تمجيد لبنان واللبنانيين وإنجازاتهم، أشعر بالدوار الذي تحوّل أخيرًا إلى غثيان.
تفاقمت الحالة وانكشف المستور مع #ميّاس التي لا يرمي كلامي إطلاقا إلى النيل من عملها الإبداعيّ أو التقليل من قيمة إنجازها الفني المُبهر. أدهشني العمل بحدّ ذاته من دون أن يكون للأمرعلاقة بلبنانيّة الفرقة، أو بكونها تقدّم هذا العمل «من أجلك يا لبنان». ولو كانت الفرق المُنافسة أفضل في أدائها منها، لتحمّست لها وليس لفرقة ميّاس. سبق أن أحببت أعمالًا كثيرة من مواسم سابقة، شاهدتها عن طريق الصدفة، فأثّرت في أعماقي وأبكتني مثل «بيردي» على سبيل المثال، لا الحصر من دون أن تستوقفني هويّة صاحب العمل الفنيّ  لتزيد من إعجابي به أو تقلّل منه. لا أدري إذا ما كانت تلك خيانة وطنيّة أُحاسَب عليها، أو إذا ما كنت أحتاج إلى جلسات مُكثّفة في العلاج الوطني، وإذا كان الضمان الإجتماعي يغطّي تكاليف هذا العلاج أم لا.

ميّاس جميلة ، ومُبدعة، وتستحق أعلى المراتب عن جدارة ولا علاقة للبنان بالأمر، بل أن الاصرار على إقحام لبنان في كلّ خطوة وكلمة وإشارة أمر مقيت. لن يُعجب التوصيف حماة الأرزة. ولكن في مساحة الحريّة الضيّقة التي أفترض أنّها لا تزال مُتاحة، أقول إنّ هذا الإقحام كان أسوأ ما في المشهد، خصوصًا أنّه اتخذ في المرحلة الأولى لظهور الفرقة منحًى استعطافيًا كانت ميّاس بغنًى عنه. ثمّ استلمت الدفّة وسائل الإعلام وفي مقدّمها الـ «إل.بي.سي» أم الصبي، التي كلّما شاهدت نشرات أخبارهم تساءلت، استطرادًا، إذا ما فاتني تحوّلهم إلى قناة ترفيهيّة.

لم أشعر بفخرٍ وطنيّ في كلّ مراحل تأهّل الفرقة وصولًا حتى التصفيات النهائيّة، وبلوغها المرتبة الأولى. لم أشعر بشيء على الإطلاق. فنظام الخلايا عندي لا يعمل بشكل مجزّأ. خليّة للفخر أمام شاشة التلفزيون، وأخرى للذّل أمام المصرف، وثالثة للقهر حين يرمقني المصعد بنظرة شماتة  ويقول لي« عالدرج…» ورابعة للهرولة خلف الصعود الصاروخيّ للدولار، وخامسة  للموت مع كلّ مريض لا يجد دواءه أو لا يملك ثمنه
أوليس هذا هو وجه  لبنان الحقيقي الذي نسعى لطمسه خلف البرقع الذي ارتدته راقصات ميّاس؟ أقول وأكرّر ليس في هذا الكلام أيّ انتقاصٍ من إبداع فرقة ميّاس، بل على العكس تمامًا، إنّه محاولة لإحقاق الحق. حقّها في النجاح الذي انتزعته ببراعةٍ وإتقانٍ وحرفيّة بعيدًا عن «أرضك يا لبنان» أو بالأحرى«من أجلك يا لبنان». سؤال يطرح نفسه هنا: إذا كان هذا العمل قد قُدّم من أجل لبنان، فهل ستُوظّف جائزة المليون الدولار(صحتين ع قلبهن) في مشاريع للبنان مثلا؟ أم إنّ عبارة من«أجلك يا لبنان» شعار دعائيّ انتهت فعاليّته مع وصول الفرقة إلى مبتغاها في حصد المرتبة الأولى؟

استُنزف نظام الخلايا عندي وأُتلف إلى حدٍّ لم أعد أرى عنده في ميّاس نقطة مضيئة في النفق، نفقنا المظلم. النفق الحالك السواد الذي أضاءت ميّاس نورًا خارجه، وانطلقت نحو العالمية. أمّا نحن الغارقون في مياهنا الآسنة، لم يبقَ لنا سوى أيدينا نلوّح بها نُصفّق، مهلّلين لنجاة من نجح في الخروج من المستنقع، أو مُودّعين «الأدمغة المُهاجرة»، إذ يبدو أنّ لا أدمغة عند من لم يسلُك هذا الدرب. وهل من تفسير آخر لهذا التعبير؟

من أين آتي بالشعور الوطنيّ، هل من يبيع، وبأيّ سعرٍ؟ وعلى أيّ صرف؟ غدًا يأتيك من يقول أو ربّما قالوا وفاتني الأمر لخير جهازي العصبي، إنّ فرقة ميّاس تجسّد الوحدة الوطنيّة لأنّ فيها من كلّ الملل والطوائف والمناطق و…و…و، تمامًا مثلما أمسك اللبنانيّون بأيادي بعضهم بعضًا على طول مساحة الوطن في واحد من مشاهد تتفيه انتفاضة 17 تشرين، ثمّ عادوا إلى بيوتهم  ونصبوا متاريسهم الطائفيّة والمذهبية المقيتة لم يتحرّك شعوري الوطني مع ما أقدمت عليه # سالي_حافظ وسواها من مواطنين مقهورين ومسروقين اقتحموا ّ المصارف لاسترداد حقوقهم. لم اشعر بالفخر ولا هرعت  إلى استبدال الأرزة بصورهم (بالمناسبة، لم يفعل أحد ذلك!!)، علمًا أن ّصورة سالي حافظ تصدّرت الصحف الأجنبيّة، تمامًا مثل فرقة ميّاس. فرحت لهم، فرحت بالثأر وبسياسة العين وبالعين والسنّ بالسنّ والبادي أظلم ودولتي هي الظالمة والجائرة. ولكن حسّي الوطني لم يحرك ساكنًا، أمّا الفخر، فصفة سقطت مع كلّ القيم  الأخرى في وطننا البائس لبنان الحبيب    .

عذرًا، لأنّني فقدت الشعور الوطني ودفنته في أرض الوطن الحبيب لبنان. عذرًا لأنّ عبارة «هيدا هو  لبنان» تستفزّني بقدرٍ أكبر ممّا تستفزّني عبارة «رفع اسم لبنان عاليًا».  أشعر أحيانًا بتسبّب شعبنا العظيم في إحداث ثقب في طبقة الأوزون من شدّة الارتفاع عاليًا حتّى ولو على خازوق. ولمن لا يعرف أو يتجاهل ، يعرف من نرفع أمامهم اسم لبنان عاليًا، عن وطننا أكثر ممّا نعرف نحن عنه أو بالأحرى نعترف به. لذا،  أقتضى التأكيد لأنّ الفخر في عيوننا يتحوّل شفقة في عيونهم. إنّهم يعلمون، فكفى ارتفاعًا وعلياءً لأن الارتطام موجع ومؤلم. ماذا تعني عبارة «هيدا هو لبنان»؟ وماذا عن ذاك الذي نعيش فيه؟ وإذا كان «هيدا هو لبنان»، لماذا تركناه يصل الى الحضيض، نحن الفخورون بلبنانيّتنا وبنقل صورة جميلة عن بلد جعلنا كلّ ما فيه بشعًا. ماذا فعلنا نحن للبنان، سوى تصدير أولادنا للخارج، ماذا فعلنا سوى البحث عن جنسيات ثانية وثالثة ورابعة؟ ماذا فعلنا سوى التغنّي بأمجادٍ غابرة، اخترعناها على الأرجح وصدّقناها. لماذا لم نفعل؟ أو نحن أيضًا «ما خلّونا» فاستسلمنا؟ لن أدخل في الحديث عن معنى الوطنيّة وشكلها وماهيتها، ولا كيف نبني شعورًا وطنيّا وننمّيه، إذ لا بدّ أن يستدرج ذلك خلافًا أكثر تعقيدًا وتشعبًّا، وأعنف من الخلاف على كتاب التاريخ. ولكن أقول: إنني تيّقنت من موت حسّي الوطنيّ الذي كلّما حاولت إعادة احيائه، شعرت بمزيدٍ من الاختناق

بين الانهيار والانفصام يولد لبنان الجديد

201903180159415941

الانهيار والانفصام: خطّان متوازيان أشبه بحبال السيرك ، ننتقل بينهما ، نحن اللبنانيين، برشاقة مشهودة. ليس في التشبيه أي استعارة، ولا هو سجع، كما لا علاقة له بالجناس والطباق، ولا بأيّ من تعريفات اللغة العربية المُلهمة. فالبلد سيرك قائم على الارتجال. ونحن عتاة الارتجال. نضع رجلًا على حبل الانهيار نهارًا، ثمّ ننقلها بخفّة الريشة على حبل الإنفصام ليلًا. لا نرقص مذبوحين من الألم، هذا التشبيه الذي نلجأ اليه لنخفّف من وطأة تبلّدنا. نرقص ونغني ونسكر تمامًا كما يفعل كلّ الذين يغنّون ويرقصون ويسكرون في العالم. ننهار كما يليق بالانهيار أن يكون، ثمّ ننفصم، فيتجلّى انفصامنا بأبهى حلله. الانهيار والانفصام: حالتان قائمتان بذاتهما. نعيشهما بكامل جوارحنا. نتفوّق على أنفسنا، وعلى شركائنا في كوكب الأرض في خوض غمارهما. محترفون نحن.ن

ننهار أمام الغلاء الفاحش وتدهور العملة الوطنية، أمام باب الفرن، في محطة الوقود، في الصيدلية، أمام صندوق المحاسبة في المستشفى. نغيب عن الوعي لدى قراءة الأصفار في فاتورة صاحب الموّلد، ربّنا الأعلى. نستشيط غضبًا كلمّا قرأنا أو سمعنا أو تذكّرنا فجيعة ٤ آب. ننسى لن ننسى. ننهار على عدد الثواني اليوميّة التي تدهسنا بمصائبها المتوالدة من بعضها. نلعن السلطة من رأس الهرم حتى أسفله. نصفّق لكلّ من يتجرأ على مصرف، على زعيم، على رمز من رموز الفساد والقهر والذلّ. نتبارى على صفحات التواصل الاجتماعي في شتم كل من أوصلنا إلى القعر، نُمعن في قدحهم وذمّهم. نشعر بنشوة كلّما حصدنا عددًا أكبر من الإعجابات والقلوب الحمراء، أو حتّى الوجوه الضاحكة، فهذا دليل على ظرافتنا في خضم الانهيار. نشعر أنّنا أدّينا قسطنا للعلى في الاعتراض على الانتهاك الحاصل لحقوقنا، لوجودنا وكينونتنا. ننهي انهيارنا راضين، ثمّ نستعد للانفصام.م
ننفصم بمهارة ورشاقة، منافسين لاعبي  السيرك الأكثر احترافًا. لا نرضى لانفصامنا أن يدل على ضعف أو عجز، فنسميّه إرادة حياة. نخترع مصطلحات تناسبنا أو بالأحرى نعطي لحالنا أوصافًا تجمّلنا. في المناسبة، نعلم أنّ ليس في الانفصام أي إرادة، بل هو أقرب إلى تجاهل للواقع الذي نعيشه من دون الغوص في التعريفات البسيكولوجية لهذه الحالات. نعلم ونتجاهل. أمّا إرادة الحياة في ثقافة الشعوب خارج كوكبنا اللبناني، فهي مواجهة الواقع لا التأقلم معه والإذعان له. نعلم ذلك أيضًا ونتجاهله. وإذا أردنا أن نرتقي بوصف حالنا مدّعين الموضوعية ومستدرجين التعاطف، نقول إنّنا نعيش حالة إنكار، ولإعطاء الحالة بعدها الثقافي، بل الفلسفي والوجودي، نقولها باللغة الأجنبيّة: ” عم نعيش ديناييل”. ل  
ننهار فيسقط لبنان من عليائه حتى سابع أرض، ثم ننفصم فنرفع اسمه عاليا. نحلّق به أعلى من حدود السماوات السبع. نرفع اسمه بأطيب صحن حمص، ثم نرفعه أعلى مع “أهلا بهالطلّة”، فأعلى بانتخاب ملكة الجمال، حدث شكّل غيابه عن لبنان لمدّة عامين متتاليين كارثة الكوارث. نحصد مع الملكة ووصيفاتها مواسم الكرز والتفاح ونصفق للزواج المدني الذي من شأنه ان يعزز الميزانية…ننفصم مع القعدة الحلوة واللقمة الطيبة، ثم ننهار أمام كلفة الانفصام وفاتورة المطاعم التي شاءت هي أيضا أن ترتفع وتحلّق عاليا. ولا يكتمل الانفصام من دون غرس شجرات الأرز التي حوّلت زرقة السماء إلى أخضر نقي. ففي سماواتنا أرز ، الكثير من الأرز، أكثر مما يوجد على الأرض وفي المحميات التي نخرها السوس. في انفصامنا يتوالد رجال الأرز من كلّ فعل يقومون به. لا توجد أحداث عاديّة ورجال عاديّون. في انفصامنا، أو بالأحرى في تاريخنا، فقط أرز، ورجال أرز وأحداث وأفعال يتفوّق فيها اللبناني على الشعوب الأخرى فيحلّق ويعلو أعلى من بطل فليت غريندايزر.ر
مساكين، نحن الشعب اللبناني، ومسكين هو كوكبنا اللبناني. جرّبنا كلّ أنواع الانقسامات والحمدالله. انقسمنا طائفيّا ومذهبيّا ومناطقيّا وعشائريّا وطبقيّا، والآن انقسمنا بل انشطرنا نفسيّا. وبين الانهيار والانفصام يولد لبنان الجديد! د 

رحيل مزدوج

 

 

رحل خالي عفيف. هكذا، من دون إشارة، أو إيحاء،  أو تعبير عن رغبة في الرحيل من الرحيل الأول عن البلاد قبل ٣٥ عاما، إلى رحيل آخر لا عودة منه. كان يفترض بالرحيل الثاني أن يكون عودة إلى الوطن ليس بمعناه التنميطي، بل كخيار لا مفرّ منه  لمن أثقل الاغتراب كاهله وأضناه. لم نتوقع عودته مُحمّلا في نعش، بل انتظرناه هابطًا من على سلّم الطائرة، واقفًا في طابور ختم الجوازات في المطار، متأفّفا من قلّة التنظيم وانقطاع التيار الكهربائي، ومطلقا العبارة الملكة: كيف عايشين؟

خالي عفيف، خالف كلّ التوقعات. عانده قدره، فحمله إلى طريق لا رجوع فيه. قد تكون المرّة الأولى التي أستخدم فيها اللقب(خالي)، فهو عفيف رفيق الطفولة، والشقاوة والأيام الحلوة. هو عفيف أو «ستوف الراعي» (شخصية في مسلسل لسميرة توفيق ومحمود سعيد) واحد من ألقابه الكثيرة، إذ كان لكلّ منّا لقبه في زمن لم تكن تُدرج فيه الألقاب في خانة التنمّر، فهذه الثقافة كانت بعيدة عن أساليب المناكفة بيننا. عفيف يكبرنا ببضعة أعوام، نحن صغار العائلة أنا وخالتي غادة وأخي بشار الأصغر بيننا. ولكنّه كان مُصنّفًا ضمن مجموعة الكبار (خالاتي واولاد اعمامهم ورفاقهم …) كبار بفارق أعوام قليلة أيضًا، ولكنّهم اعتادوا إبعادنا عن طريقهم بشتى الطرق: يخوفوننا من الجنّ والصالحة التي ستأتي إلينا في لباسها الأبيض لتخطفنا. رعب لازمني أعواما طويلة، أو بالأحرى لم يفارقني حتى الأمس القريب. يتفنّنون في استبعادنا عن عالمهم ليسهروا في ساحة بيت الضيعة، وتحت العريشة، وفي بيت ابو بشارة، يتبارون في إطلاق النكات والقهقهات حتى الفجر. أمّا نحن، فنغطي رؤوسنا باللحاف خوفا من الصالحة، حليفتهم في إحياء السهرات.ت

في الطرف الآخر من الضيعة يقع بيت عمّتي. العلاقة هناك مختلفة. لا ألقاب ولا صالحة ولا جنّ، بل فيض من الحب والاهتمام. أنا وأخي بشار (لم يكن الأشقاء الثلاثة غادي جاد ونامي قد رأوا النور بعد) «ولاد الغالي». في بيت عمتي، ابنها رشيد. وهو ابن خال عفيف أيضًا. اهل الضيعة كلّهم أقرباء. رحل رشيد  بعد يومين من رحيل عفيف. كان رشيد الأقرب إلينا. كأنه صلة الوصل بين العائلتين اللتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين. والثقافة في حينها كانت ترتبط اولا وأخيرا بالانتماء السياسي والعمل الحزبي. في بيت جدّي لأمي أيقوناتنا هم لنين وماركس وانجلز، وشعارنا هو المطرقة والمنجل. وفي بيت عمتي إيمان وتقوى وبعد عن العمل السياسي. كان رشيد في منزلة بين منزلتين. كان حالمًا وطموحًا ومحبًّا للحياة. كان رومانسيّا، رقيقًا وسريع الانكسارلأنّه يملك قلب طفل حافظ عليه حتّى يوم رحيله. لم ترحمه الحياة،  فعاش في غربة ووحدة بعدما سحقت أحلامه في تأسيس عائلة  وهزمته بقساوتها  وظلمها، ثمّ اجتاحه المرض، وكان الرحيل الذي استعجله بنفسه.ه

                           *****                                   

هجرنا الضيعة التي لجأنا إليها هربًا من جحيم الحرب في بيروت واقمنا فيها صيفًا كاملًا عام ١٩٧٦، ثم عدنا إليها في هروب آخر في العام ١٩٨٣. لم نعد في عودتنا الثانية صغارا. أمّا هم فقد اصبحوا كبارًا فعلًا لا ادعاءً، وتحوّلت أحاديثهم إلى نقاشات في الحرب والسياسة. رحلت الصالحة عن فضائنا بعد أن عشّشت في مخيلتنا، وبقينا مدلّلين في بيت عمّتي الذي كان يلجأ إليه أخي بشار كلّما اعترض أحد عل شقاوته أو حاول أن يلجمها.ا

                                                                                                                                                        هجرنا الضيعة هذه المرة من دون عودة اليها حتى التحرير في العام ٢٠٠٠. تفرّق الشمل، وأصبح عفيف مقاتلًا في صفوف الحزب الشيوعي، ورشيد منصرفًا إلى تأمين نجاته ونجاة والديه وأخوته من الحرب في هروب متواصل من منطقة خطرة إلى منطقة أقل خطورة بين بيروت وعاليه والجنوب.ب 

اذكر أنّ في لقاءاتنا اللاحقة، كان عفيف يخبرني  عن المعركة ضد حركة التوحيد في طرابلس، يحكي ويحكي، يحكي ويبكي عن رفاقه الذين استشهدوا إلى جانبه، عن الطنين في أذنيه بسبب القنابل التي تنفجر حوله،  عن تآمر منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي حاولت الدخول مجدّدا إلى لبنان من بوابة طرابلس في تحالفها مع قوى التوحيد الإسلاميّة. هذه المعركة التي أظن أنّها حسمت خياره في رحيله الأول إلى الاتحاد السوفياتي كما كان اسمه في حينها.ا

                       *******                              

رحل عفيف ثمّ لحق به رشيد بعد يومين فقط بمشهد سوريالي يذكّر بالتراجيديا الإغريقية، إذ تشابهت حياتهما ومعاناتهما رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بيروت عن موسكو. علق عفيف في اغترابه كما علق رشيد في وطنه، يائسان، كئيبان ووحيدان.  عاشا غربتين تحمل كلّ منهما نكهة المرارة والقهر والظلم، ظلم الحياة والحظ العاثر.عدنا بالأمس إلى الضيعة، وانتقلنا بين بيت جدّي في أول الضيعة وبين بيت عمتي في طرفها الآخر، ليس هروبًا من الصالحة والجنّ ولا بحثًا عن دلالٍ إضافي، أو بنيّة ابتزازٍ عاطفي للـ«كبار». كنّا نكفكف الدموع ونرتق الجراح التي فُتحت على طول المساحة الفاصلة بين البيتين.ن

…خالي عفيف وابن عمتي رشيد: وداعًا

إقفال «بلو نوت» : نوتة إضافية في موسيقى حزينة وجنائزيّة   

BLUE NOTEblue note cafe

أقفل الـ «بلو نوت» أبوابه. خبر قديم، لم أعلم بحدوثه. وحين علمت تأكدت أنّني أعيش الموت أو بالأحرى أنّنا كلنّا نعيش موتنا، نحن وبيروت، المدينة التي كنّا نتباهى بها وبالانتماء إليها. المفارقة المُحزنة، أنّني علمت بخبر إقفال الـ «بلو نوت» من صديقتي الفلسطينيّة التي أمضت قسطًا وفيرًا من حياتها في لبنان ولا تزال تحج إليه بين الحين والآخر. صديقتي التي استعنت بها في زيارتها الأخيرة لأرى بيروت التي عرفناها وأحببناها بعينييها وذاكرتها التي لم يشوّهها  الدماروالخراب اللذان يحاصرننا، نحن العالقين في هذه المدينة ومعها.ا 

أقفل الـ «بلو نوت« أبوابه. قالت لي، واستغربت كيف لا علم لي بذلك. ابتسمت ولم أجبها. حاولت أن أقول كلامًا لطيفًا، إذ لا يجوز أن نُحبط أصدقاءنا الزوّار ونبثّ طاقتنا السلبية والموسم السياحي في أوجه، ولكني لم أجد ما يُقال. «لو كنّا نملك القدرة والطاقة لرصد تحوّلات المدينة الجذريّة، لما تحوّلت في الأرجح». ابتلعت الإجابة في جوفي.ي

لا أدري أيّهما أصعب ، أن ترثي عزيزا خطفه الموت أو أن ترثي مكانًا خنقه موت المدينة فشكّل غيابه موتا على موت ؟ قد يبدو السؤال غير منطقي، أو يفتقر طارحه إلى الحس الإنساني، فالمقارنة غير متكافئة بين الحياة والجماد. ولكن من قال أن الأمكنة هي جماد صرف؟  أوليست مصنوعة من ناس وأصحاب وذكريات وقصص وحب، كثير من الحب؟ كيف تُرثي كلّ هؤلاء دفعة واحدة؟ كيف تحتمل غياب المكان بكلّ تفاصيله التي تتحوّل إلى تراكم صور وفيض أحاسيس تجتاحك لحظة يأتيك الخبر. المكان صداقة من نوع آخر. صديق لا يتذمر. لا يمارس أنانيته عليك. لا يسرق منك الحديث. صديق ينصت إلى صمتك ويحفظ أنفاسك التي تختلط برائحته. صديق يحتمل صخبك وهيجانك ولا يرهقه سكرك ورقصك وحتى غناؤك النشاز. لا يتذمّر ولا يتنمّر. يحتفظ لك المكان_ الصديق بكلّ اللحظات، جميلة كانت أم حزينة، التي جمعتكما معًا ويفلشها أمامك إذا جدّدت الزيارة بعد غياب أو مررت بمحاذاته صدفة ، أو امتلك  هو الجرأة التي تنقصك للاعتراف بغيابه والإعلان عنه. المكان صديق تغرق في داخله، فيحتضنك بكلّ حبّ ولا يفشي بسرّك. وكلّما زرته ابتسم، ابتسمتما وتواعدتما على مزيد من التواطؤ. فكيف لك ألّا تحزن علي غيابه. كيف لك ألّا تفتقده وترثيه وتبكيه وتبكي حالك التي هي جزء من حاله.ه

أقفل الـ «بلو نوت» قبل عامين أو اكثر. قبل جائحة كورونا ، قبل رقصات الدولار المتواصلة. انسحب من المشهد المديني بهدوء. قفز من المركب قبل غرقه. كأنّ في إقفاله مؤشر لكلّ ما  سيحصل. انهزم، فاستسلم  بأناقة من دون نحيب واستعطاف واستجداء، من دون هاش تاغ واستعراضات “مثقفين ومثقفات”. أقفل فحسب.ب 

لم يكن الـ«بلو نوت» مجرد حانة أو نادٍ ليلي. كان فضاءً للإبداع الموسيقي ومعلمًا أساسيّا في تشكّل هويّة المدينة في أواخر ثمانينيّات القرن الماضي. اسمه يدّل على نوع الموسيقى التي كان يقدمّها، موسيقى الـ بلوز والجاز التي جاء بها من مصدرها الأساسي، فاستضاف أهم العازفين والمغنيين العالميين أمثال إيدي كينغ، واندرو هيل، وتيكس ألين، وميليسا والكر وسواهم ممن تركوا بصماتهم في فضائه، وصورهم مُعلّقة على جدرانه، كتأكيدٍ إضافيّ على مرورهم الذي حفرعميقًا في ذاكرة كلّ من استمع إليهم في حينها.ا

دخلت إلى الـ «بلو نوت» للمرّة الأولى في مطلع التسعينييات، وكنت لا أزال طالبة جامعيّة، تتلمس طريقها وتسعى إلى تكوين شخصيّتها المستقلّة بعيدًا عن مسموحات العائلة وممنوعاتها. شخصيّة تختار موسيقاها(الجاز)، وحانتها المفضلة(بلو نوت) ومشروبها(النبيذ) وسيجارتها السريّة(الجيتان) وتستبدل الطعام المنزلي التقليدي بطعام من نوع آخر، فتكتشف مثلا الـ«بينيه أرابياتا» التي ستصبح طبقها المفضّل بدلًا من المعكرونة التي تمقتها. شخصيّة سوف تأكل كبيس الخيار والزيتون الأخضروكأنهما صنعا مرّة واحدة بكميات تكفي لأعوام مديدة، فالطعمة لن تتغيّربين أول مرّة تذوقتهما في  الـ«بلو نوت» قبل ثلاثة عقود وآخرمرّة وضع الصحن أمامها  في زيارة إليه لم تكن تدري أنها ستكون الأخيرة. شخصيّة تخرج الى الحياة للمرّة الأولى من دون الخوف من قصف عشوائي أو قنص أو قتل على الهوية. شخصيّة تتعرّف على المدينة التي عاشت في ملاجئها أكثر ممّا عاشت في بيوتها وشوارعها وأزقتها.ا

سحرني الـ «بلو نوت» منذ زيارتي الأولى، ولم يزل السحر حتى بعد أن أصبحت من رواده الدائمين. حبّ النظرة الأولى لم يقلّل مرور الأعوام وتكرار الزيارات ظهرًا ومساءً من كثافته وحرارته. أذكر أنني احتفظت بالورقة التي توضع تحت الأطباق، وقد طبع لوغو الحانة باللونين الأخضر والأزرق على كامل مساحتها. علّقت هذه الورقة فوق سريري معلنةً انتمائي الى هذا العالم وهذه الموسيقى وهذا المكان الذي تعرفت فيه على أهم عازفي موسيقى الجاز في لبنان ومنهم توفيق فروخ وعبود السعدي وأفو توتنجيان وهاني سبليني وبسام سابا ووليد طويل. وهناك شاهدت زياد الزحباني عن كثب غارقا خلف البيانو واستمعت واستمتعت بموسيقاه. أن تراقب شغفه بالموسيقى من على كرسي عالٍ في زاوية البار، متعة تميّز الـ«بلو نوت» في تقديمها لروّاده من محبّي الرحباني وكنت منهم ولا أزال. لم أكن أفوّت حفلة من حفلات الـ«بلو نوت» حتّى تلك غرّدت خارج سرب الجاز، فاستضافت شربل روحانا ووتره السادس، وشانتال بيطار (من الجيل الجديد) وصوتها الساحر وسواهم ممن شكلوا إضافة نوعيّة ومنحوا المكان خصوصيّته المميّزة.ة

حافظ الـ «بلو نوت» خلال اثنين وثلاثين عامًا على شكله وروحه وموسيقاه وأطباقه الشهيّة. وما زاده أصالة، طاقمه  الذي لم يتبدّل معظم أفراده، وفي مقدمّهم سليم خلف البار بهدوئه المعتاد وابتسامته التي لا تزيد ولا تنقص مثل كل ما  في هذا المكان، لتشكّل جميع هذه العناصر نوتة إضافية في موسيقى أصبحت حزينة وجنائزية مع أقفاله.ه                                                  

حكش المنخار بـ 30 فريش دولار في مصيدة (مطار) رفيق الحريري الدوليّة

facebook_1655869341834_6945219403932179085

 

 أ«أهلًا وسهلًا بكم في مطار رفيق الحريري الدولي»، عبارة تحتاج إلى تحديثٍ تماشيًا مع التطورات المُستجدّة في هذا  المرفق الحيوي. فيُمكن على سبيل المثال لا الحصر وتوخّيًا لمزيدٍ من الدقّة، إستبدال كلمة مطار بكلمة مصيدة لتصبح العبارة على الشكل التالي: أهلًا وسهلًا بكم في مصيدة رفيق الحريري الدوليّة. والقاموس العربي غنيٌ بالمفردات التي تساعد في وصف ما يحصل في هذا المطار بشكلٍ مختصرٍ ومباشر ومن دون تنميق أو لفّ ودوران ومنها: السرقة، النهب، التشليح..الخ. وأحدث عمليات النهب التي يتعرّض لها القادم إلى بلاد الأرز هي بدعة الـ «بي سي آر». إنّها الكرزة التي تزيّن هرم الفساد والنهب في المطار. إنّها أشبه بالخوّة، إذ لا مفرّ من إجراء الفحص تحت طائلة الإقامة الجبرية في المطارإلى حينه، ومن يدري ربّما السجن. هذا الفحص- الخوّة ليس التفاحة التي بلغ ثمن الحبّة الواحدة منها 4 آلاف ليرة يوم كان الدولار يعادل 1500 ليرة، ولا هو فنجان الشاي الذي بيع بثمانية آلاف ليرة في الفترة عينها (استخدام أمثلة من الماضي للدلالة على أن للسرقة تاريخ عريق في هذا المرفق الحيوي) ولا هو تاكسي المطار الذي يُسعّر ثمن الرحلة حسب شكل المسافر وحجم حقيبته والوجهة التي جاء منها، وقد يتجاوز ثمن التاكسي أحيانًا ثمن تذكرة السفر. يمكن لأي مسافر ألّا يأكل التفاحة ولا يشرب فنجان الشاي ويتجنب تاكسي المطار إذا استطاع إلى ذلك سبيلا من دون أن يلاحقه السائق ” تاكسي استاذ، تاكسي مدام”، ولكن الأكيد أنّه لن يستطيع الإفلات من الـ «بي.سي.آر». وحتى لا تسوّل لأي مسافر نفسه التهرّب من إجراء الفحص، فإن الدفع سلف عبر ما يُسمى بـ “م.و.ف”، وهو تطبيق اخترعته وزارة الصحّة، يُدخل بواسطته المسافر إلى لبنان كلّ البيانات المُتعلّقة باللقاحات التي حصل عليها مضافة إليها صورته الشخصية لمزيد من الشفافية، وذيّلته بدفع 30 دولار عبر البطاقة الإئتمانية. وكأنّ وزارة الصحّة تعمل خارج الكوكب اللبناني، أو فاتها في ظلّ انهماكها في السهر على صحّة المواطنين والمواطنات وتأمين الدواء لهم، أنّ امتلاك بطاقة إئتمانية غير متوفّر حاليّا بعد أن نهب مصرف لبنان بمعاونة المصارف كافةً أموال المُودعين. ولكن، في المقابل، من المُجحف بحقّ وزارة الصحّة عدم الإشارة إلى أنّها سمحت مشكورةً الدفع عبر البطاقة الإئتمانية بالعملة الوطنية، أي الليرة اللبنانية، ولكن ليس على سعر الصرف الرسمي أي 1500 ل.ل ولا على سعر اللولار أي 8000 ليرة ولا بينهما، بل على سعر السوق السوداء. التفسير؟ لا تفسير غير «للسرقة عنوان، ومش عاجبك خليك محل ما كنت». ت 

قد يكون مطار رفيق الحريري الدولي هو المطار الوحيد أو أحد المطارات القليلة التي تفرض إجراء هذا الفحص قبل أن تطأ أقدام الواصلين أرض الوطن أو «أرض الأحلام» بالنسبة إلى السيّاح الذين «يتسابقون» لزيارة هذا البلد العجبة!ّ وليس هذا فحسب، بل تفرض وزارة الصحة عبر منصة«م.و.ف» على القادمين إلى لبنان إجراء فحص«بي سي آر» قبل 24 ساعة من ركوب الطائرة في البلد الإقلاع، وذلك في إطار المزيد من الحرص في الحفاظ على الهواء النقي في لبنان والبيئة الخالية من أي أمراض وبائية مُعدية. وهكذا، تكون وزارة الصحّة اللبنانيّة قد تفوّقت في معايير السلامة على وزارة الصحة العالمية ومجمع الأطباء والخبراء حول العالم الذين أكّدوا أكثر من مرّة أن لا معنى أو قيمة لإعادة فحص الـ «بي سي أر» خلال 24 ساعة في حال عدم وجود عوارض. ومن ثبت أنه سلبي قبل ركوب الطائرة ما الجدوى من إعادة الفحص فور نزوله منها. الإجابة البديهيّة: 30 فريش دولار.ر

إنّها مصيدة بكلّ معنى الكلمة، يبدأ رمي شباكها في المطار الذي تنطلق منه رحلتك، إذ كما يبدو واضحًا أنّ وزارة الصحة عمّمت على شركات الطيران القادمة إلى لبنان التأكد من ملء القادمين إستمارة«م.و.ف» قبل ركوب الطائرة، ما يعني ضمنًا دفع مبلغ 30 دولار فريش، وما يعني أيضا إجراء الفحص «بي. سي. آر» في بلد الإنطلاق إذ وجب إدخال رمز الفحص لإنجاز الاستمارة وتفعيلها. وتطبق المصيدة على الواصلين  ما إن يتجاوزوا نقطة الأمن العام حيث يجدوا أنفسهم في منطقة الـ «بي. سي. آر» المُحصنّة بحراسة تمنع أي محاولة تسلّل إلى خارجها. والملفت، أن غرفا خشبية قد بنيت لهذه الغاية، فالأمر ليس تدبيرا مؤقتا، بل استثمارا طويل الأمد.د 

 صحة المواطن هي الأهم. قد تصلح هذه العبارة أن تُرفع شعارًا لحملة محاربة كورونا في مطار بيروت الدولي حتى تكتمل الطرفة. ولا ضير في مزيد من التوضيح والشفافية ليُصبح الشعار: «صحة المواطن هي الأهم مقابل ثلاثين دولار فريش فقط لا غير». وإذا كان لا بدّ من وصف دقيق للوضع يكون العنوان الأفضل: «حكش المنخار ب 30 فريش دولار». ر 

2022 ملاحظة: سبق أن نشر هذا المقال على فايسبوك بتاريخ 22 كانون الثاني

مطلوب تذكرة سفر باتجاه واحد

قرأنا عن الهجرة حين كنّا أطفالًا. لم تكن قراءة مختارة بل كانت درسًا من دروسنا في المرحلة الابتدائيّة. حفظنا أعداد المهاجرين والدول التي انتقلوا إليها والأعمال التي امتهنوها. درسنا عن الهجرة كجزء أساسيّ  من تركيبة هذا البلد الفريد. في المناسبة، الفرادة كانت أيضًا أحد الدروس التي تعلّمناها في المدرسة، يضاف إليها لبنان الرسالة، وهوعنوان عجز العالم عن فكّ طلاسمه. شكّلت الهجرة حالةً ثابتة، مثل مساحة لبنان وطقسه المعتدل شتاءً والحارّ صيفًا، وفصوله الأربعة، وجباله وبحره، ونظامه الخدماتيّ وخلافه. درسنا عن الهجرة في كتاب الجغرافيا أكثر ممّا درسنا عنها في كتاب التاريخ، ما يعني أنّها لم تكن يومًا حالةً طارئةً أو عابرةً حصلت في حقبةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، فاقتضت الإشارة إليها حرصًا على الموضوعيّة وتجنّبًا لإخفاء الحقائق مهما بدت مؤلمة (نحن أسياد الموضوعيّة وتوحيد كتاب التاريخ ليس مطلبًا أقدم من التاريخ نفسه!). درسنا عن الهجرة بوصفها مفخرة من مفاخر الوطن، وعن المهاجرين بوصفهم أبطالًا رفعوا اسم لبنان عاليًا، من جبران خليل جبران إلى حسن كامل الصبّاح مخترع الكهرباء الذي تغرق بلاده في العتمة (أحد أوجه الفرادة) وسواهما من الأسماء التي لا مجال لذكرها هنا، فالقائمة طويلة وطويلة جدًّا ولا تستثني من كان جدّ جدّه لبنانيًّا حتّى إن كان المعنيّ نفسه غير مدركٍ أصله الأول، أو غير مهتمٍّ لا بسِيَر أجداد الأجداد ولا بصلة الرحم التي تجمعه بهم. نحن الفخورون بنجاحات اللبنانيّين في المهجر، نتكفّل بأن نبحث عميقًا في أصل وفصل كلّ عبقريّ أو مشهور، وأن نُعلن على الملأ بتباهٍ واعتزازٍ منقطعَيِ النظير، ونُطبّل ونُزمّر حتى لو تبيّن أنّه الحفيد ما بعد العاشر لجدٍّ ذي أصولٍ لبنانيّة. نُصبح جميعنا أنتربولوجيّين وإثنولوجيّين، لنؤكّد أنّ هذا النجاح أو هذه الموهبة أيًّا كان نوعها، فقد نبتت جذورها في بلاد أرز الربّ. سلمى حايك، شاكيرا، الرئيس البرازيليّ السابق ميشال تامر رئيس بلاد الدومينيكان الحاليّ دانيلو ميدينا وسواهم، هم مواطنون لبنانيّون سقطت هويّتهم الأمّ على درب هجرة الأجداد، لكنّ نجاحاتهم ارتبطت بهذه الهويّة، وإلّا فما الذي يبرّرهذا السعي المحلّيّ الدؤوب لفحص الـ “دي أن أي” لكلّ من يسطع اسمه عالميًّا في الأدب أو الفنّ أو العلوم أو السياسة. بمعنًى آخر، لم تقدَّم الهجرة في المناهج المدرسيّة على أنّها خيارٌ سيّئ أو فعلٌ يتمّ بالإكراه، بل بدت أشبه بالحلم وحرّكت لدى كلّ طالب قرأ وحفظ واستظهر قصص المهاجرين الأوائل، الرغبة الجامحة في خوض غمار التجربة. إنّها القيمة المُضافة التي عليه اكتسابها حتى يرقى إلى مستوى أعلى. يلد اللبناني بمهاجرًا بالفطرة، كما تلد رغبة الماروني برئاسة الجمهورية ما إن يتكوّن جنينًا وكذلك رغبة السنّي في ترأس الحكومة أما رغبة الشيعي فما تزال طموحًا مؤجلًا أو بالأحرى غير معلن

قرأنا عن الهجرة أطفالًا في المدرسة، ثم عايشناها شبابًا ومراهقين خلال الحرب. آنذاك، لم تبدُ خيارًا ظالمًا، بل بدت أفقًا جديدًا أكثر اتساعًا ورحابةً من بلاد الأرز التي استحقّت في حينها لقب بلاد البارود والنار. لم يُشفق “الصامدون”  في الوطن، أو بالأحرى الذين لم تُتح لهم فرصة مغادرته، على أولئك الذين يهجرونه، بل ربّما حسدوهم في قرارة أنفسهم. لم يغادر السواد الأعظم منهم تحت تهديد السلاح، لم ينتقلوا في سفن الموت التي يغرق معظمها في البحر كما يحصل مع اللاجئين السوريين والليبيين والتونسيين والأفغان، بل  شكلت مغادرتهم مفخرةً أخرى وتأسيسًا لظهورعباقرة جدد يرفعون اسم لبنان عاليًا، هذا الهمّ الأزليّ الذي ليس له أيّ تفسير منطقيّ أو علميّ. وكلّما ازداد، استطرادًا، منسوب هذا الهمّ كلّما انرلقنا نحو الهاوية. عاش المهاجرون حياةً طبيعيّةً في حدّها الأدنى حتّى لا نقول الأقصى ونُتّهم بالمبالغة. عاشوا حياةً فيها أحلام. عانوا فراق الأحبّة ونوستالجيا الأمكنة والذكريات، ولكن “الصامدون” لم يغرفوا في حينها من نبع السعادة، ولا كانوا يغمّسون الخبز المرقوق في جاط الكبّة النيّة ويرتشفون كأس العرق، ثمّ يُمسكون على الدبكة. عانى المهاجرون من دون شكّ، ولكنّهم كانوا ينفخون صدورهم ويرفعون رؤوسهم عاليًا عندما يتحدّثون عن ابنهم الذي دخل إلى هارفرد أوعن ابنتهم التي تخرّجت من كامبريدج. ولا شكّ أنّ الأجيال القادمة من اللبنانيين ستبحث في شجرة عائلة الوطن وتفتخر ذات يوم بانجازاتها. حتّى الذين ذهبوا باتجاه القارّة السمراء حصدوا ما يرغبون في التباهي به، بيوت بل قصور ومال وذهب وألماس وسيارات فارهة. لا شكّ في أنّ المهاجرين عانوا، ولكنّهم غادروا طواعية بحثًا عن ترقٍّ اجتماعيّ وعلميّ وماليّ. عانى المهاجرون لكنّهم لم يكونوا لاجئين سياسيّين؛ بكى المهاجرون واشتاقوا لكنّهم لم يكونوا منفيّين. وهنا يكمن الفرق كلّ الفرق. استطرادًا، الهجرة  ليست امتيازًا لبنانيًّا ولا ضريبةً يدفعها اللبنانيّ دون سواه. إنّها آفة المجتمعات الفقيرة ودول العالم الثالث الذي ينتمي إليه بلدنا الحبيب، (بلد الفرادة والرسالة) رغم أنّ أبناءه يرطُنون باللّغات الأجنبيّة ويتفوّقون دائمًا على أنفسهم   

أقول لكلّ من ينظّر في أهمية الصمود وضروراته، لكلّ من غادر البلاد وعاد إليها بعد أن اطمئنّ إلى مستقبله ومستقبل أولاده، لكلّ من وضع جواز سفر أجنبيّ في جيبه ليضمن ألّا يموت على باب المستشفى، أقول لكلّ هؤلاء صمودكم اليوم هو لزوم ما لا يلزم. هو ليس صمودًا بل موقفٌ ومزايدةٌ لا قيمة لهما سوى استفزاز من لم يغادر الوطن لأنّه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعندما أراد أن يفعل جاء من يقول له: لا،لا تستسلم، لا يجوز، اصمد! الغربة قاسية وطعم التبّولة فيها “غير”! لهؤلاء أقول: مزّقوا جوازات سفركم الثانية، واصمدوا بعدها وناضلوا قدر ما تشاؤون، اجعلوا لصمودكم معنًى حقيقيًّا وليس فلوكلوريًّا، وإلّا فاصمتوا ولا تنتقدوا كلّ من يُفكّر اليوم في الهجرة. بلى، كانت الهجرة خلاصكم؛ لا تنكروا هذه الحقيقة. ونحن بقينا ليس لأننا نحب الوطن أكثر منكم، وإذا ادّعينا ذلك، فنحن نزايد عليكم بقدر ما تزايدون أنتم علينا. وحتى ننجح في أن “نفهم على بعض”، لا بدّ من أن نتبادل الأمكنة، اصمدوا في الوطن واشبعوا منه ودعونا نذهب نحن بدلًا منكم لنعيش تجربة المعاناة في المهجر. فلنتبادل الأدوار إذن

نلطم على الهجرة ولا نذهب إلّا عند الطبيب “خريج بلاد برّا”، نلطم على الهجرة ونزيّن جدران بيوتنا ومكاتبنا في كلّ مهننا بمهارات اكتسبناها في الخارج. نلطم على الهجرة ونروي عن إنجازات أبناء شعبنا العظيم في المهجر، نلطم وسنلطم أكثر بل سننتحب في حال مُنعنا من الهجرة حتّى لو تحوّل بلدنا إلى جنّة على الأرض. نحن مهاجرون بالفطرة، بالجينات، وبلدنا محطة ومرقد عنزة وكلمات في أغنية وطنية فقط لا غير

لا يندرج موقفي هذا في سياق تبنّي (أو الدفاع عن) الشريط التسيجيليّ الذي روّج للهجرة، وانقسم إزاءه البلد إلى وطنيّين وغير وطنيّين، ودار الردح لأيام وليالٍ، فإمّا أن تكون مع أو تكون ضدّ، فلا رأي ثالث في هذا الموضوع كما في كلّ القضايا في وطننا الحبيب، من الأكثر تفاهةً إلى الأكثرعمقًا وتعقيدًا (نموذج آخر للفرادة والرسالة). ورغم أنّني من أكثر المتحمّسين لمغادرة البلاد، ورغم أنّني أقول وأردّد أن الطابور الوحيد الذي سأقف فيه يومًا هو الطابور أمام شبّاك التذاكر لشراء تذكرة ذهاب من دون إياب، لم أشعر بالتماهي مع هذا الشريط التسجيليّ. لم أتأثّر، لم أتفاعل، لم أحزن، أسفت فقط على تدنّي المستويين الفنّي والمهنيّ للعمل. شعرت أنّه شريط تسجيلي دعائيّ للبنان بالاتجاه المعاكس، شريط يعتمد على نفس القاعدة الترويجيّة الكلاسيكيّة لأيّ منتج. لا يختلف منطق هذا الشريط عن الإعلانات الترويجيّة التي تبثّها وزارة السياحة فتُظهر قلعة بعلبك من دون محيطها البائس، أو سوق البترون من دون مشروع سلعاتا، أو آثار صور من دون التحليل والتحريم، أو قلعة صيدا من جبال النفايات المجاورة لها، وأسواق طرابلس من دون باب التبّانة وجبل محسن. يدعو الشريط إلى الهجرة على لسان أناس (مع احترامي وحبّي الكاملين لعايده صبرا وزكي محفوظ) يملك معظمهم خيارًا ثانيًا أصلًا. يُشبه هؤلاء في حديثهم المهاجرين _العائدين الذين يقولون لنا: اصمدوا. أقول لهم في المقابل إذا كانت لديكم القدرة على الهجرة فارحلوا، واحترموا مشاعر من لا يملك هذا الخيار. لم أنسَ استفزاز الشريط التسجيليّ إلّا حين سمعت الغيارى يقولون: الوطن ليس فندقًا. بالطبع هو ليس فندقًا، لأنّك في الفندق تحصل على إقامةٍ مُحترمةٍ مقابل ما تدفع لأجله. يا ليت لبنان كان فندقا، فلو كان ما كنت لأفكّر في أن أرحل عنه يومًا، ولا كنت لأندم أشدّ الندم على عدم مغادرته حين أتيحت لي الفرصة. لبنان ليس فندقًا ولا يرقى حتّى إلى مستوى مزرعة، لبنان شيء هجين ما من تسمية تفيه حقّه. وأن تغادر هذا الشيء الهجين لا يعني أنّك  جبانًا أو متخاذلًا، بل محبًّا للحياة تحت عنوان مهاجر

اللعنات ستلاحقكم حتّى جهنّم

اصمتوا جميعكم. اصمتوا صمتًا مُطبقًا. لا تتفوّهوا بكلمة أو بحرف. لم يعد أحدٌ يرغب في سماعكم. أصواتكم، تصريحاتكم، كلامكم الأجوف بات أشبه بحفلات التعذيب في السجون. وقعه أسوأ من صوت نقطة ماءٍ على صفيحٍ بارد. اصمتوا فقط. خذوا مناصريكم وجماعاتكم، خذوا كلّ من لا يزال يصدّقكم، خذوا كلّ من لديه القدرة على تحريك يديّه للتصفيق لكم بدلًا من رجمكم، خذوهم إلى قاعات مقفلة أو ساحاتٍ بعيدة واكذبوا عليهم قدرما تشاؤون

اصمتوا جميعكم لأنّ للعهر حدود. احفظوا ماء وجهكم إن كان ثمّة ما تحفظونه بعد. اصمتوا ولا تفتحوا أفواهكم إلّا لتعترفوا أنكم سرقتمونا ونهبتمونا ودمّرتم البلاد والعباد ولا تزالون مستمرّين بكلّ وقاحة رغم أنّه لم يعد هناك ما تسرقونه. لقد جفّفتم الينابيع واستوليتم على الموارد وأغرقتم البلاد في ديونٍ ستحتاج إلى أكثر من جيلين وربّما ثلاثة لإيفائها

اصمتوا جميعكم لأنّنا لا نحتاج إلى سماع اقتراحاتكم الفارغة وحلولكم الخاوية ومشاريعكم البائسة ووعودكم الكاذبة التي لن تنتشل البلاد ممّا هي فيه، بل ستزيدها غرقًا لأنّ المطلوب ليس حلولًا ترقيعيّة أو مقاربات تجميليّة بل تغييرًا جذريًّا يبدأ بصمتكم أولًا ورحيلكم أولًا وثانيًا وثالثًا وعاشرًا. رحيل يشمل السلطة بكلّ أطيافها ومكوّناتها وأصولها وفروعها السابقة والحاليّة. رحيل لا يستثني السلطات التي تعاقبت على الحكم في لبنان والتي، وهنا الطرافة، تلعب دور المعارضة اليوم وتنتقد بوقاحة مُستفزّة كأننا كنّا نعيش في زمنها القريب في سبات ونبات وننعم بالبحبوحة والازدهار ونتميّز باقتصادٍ منافسٍ وبيئةٍ خلابّة لم تصل فيها رائحة النفايات إلى دول الجوار وربّما أبعد من ذلك. رحيلٌ لا يقتصرعلى أرباب السلطات المتعاقبة فحسب، بل يشمل الأولاد والأحفاد الحاليين والمحتملين والأقارب وكلّ من يمت لهم بصلة دم. رحيل يشبه ما فعله هيرودس حين أمر بقتل جميع الاطفال من عمرالسنتين وما دون في بيت لحم وجوارها بعدما جاء المجوس من المشرق يسألون عن المولود، ملك اليهود. رحيل يضمن أرضًا نظيفة لا يلوّثها أحد من سلالتكم. تلك تكون بداية الخلاص

img_4614

اصمتوا جميعكم واخجلوا إن كنتم تعرفون للخجل معنًى. أنهكتم الشعب بخلافاتكم على حصصٍ ليست لكم أصلًا. استخدمتم سياسة فرق تسد، فقسّمتم البلاد والعباد أفقيًّا وعموديًّا وبكلّ الأشكال الهندسيّة ليصبح أيّ عنوان مهما بدا تافهًا موضوع سجال لا ينتهي. حجّمتم أحلام المواطنين وطموحاتهم ليُصبح أقصاها الحصول على تيّارٍ كهربائيّ من دون انقطاع. جعلتموهم يلهثون وراء قوتهم اليوميّ ليبدو كلّ من يفوز به بطلًا. قوتٌ يُسقطون منه يوميًّا صنفًا جديدًا بسبب غلاء سعره. قوتٌ تخلّى عن طبق الكبّة النيّة التراثي والمشاوي ليوم الأحد واللحوم عمومًا لسائرأيام الأسبوع. استنزفتم طاقة المواطنين على توافه الأمور حتّى خارت قواهم ولم يعد لديهم مطلب سوى الإفراج عنهم ليرحلوا عنكم ما دمتم ترفضون الرحيل عنهم. اصمتوا جميعكم واخجلوا إذا كنتم تعرفون معنًى للخجل، فأنتم لا تحقّقون المراتب الأولى سوى في الفساد والسرقة وهدر المال العالم، وتحتلّون المراتب الدنيا في كلّ ما له علاقة بالتطور والتقدم وحفظ كرامة الإنسان. حوّلتم لبنان إلى بلدٍ متسوّل ينتظر المساعدات التي تتقاسمونها في ما بينكم قبل أن يحصل عليها. سمعتكم السيئة باتت حديث الصالونات والأروقة الدوليّة. تتعرّضون للمساءلة القانونيّة الدوليّة بشأن سرقة المال العام، وتتذاكون على المجتمع الدولي كما تذاكيتم طوال عقودٍ على الشعب اللبناني. مبروك من القلب! لقد بتّم مدرسة في الفساد تستنبطون نظريّات جديدة في الاقتصاد وتسنّون قوانين غرائبيّة لنهب ودائع المواطنين بوقاحةٍ وتعالٍ قلّ نظيرهما. سجلّنا العدلي بات موسومًا بعاركم. تخشى دول العالم استقبالنا خوفًا من أن نمزّق جوازات سفرنا ولا نعود إلى بلادنا، بلاد الأرز. يحصل كلّ هذا وأكثر، وأنتم تتلفّتون حولكم وترفعون رؤوسكم في الهواء وتصفّرون وكأنّ هذه التهم تعني سواكم! من أين تستمدّون هذه الوقاحة؟ أيّ نوع من الطعام تتناولون وأي هواء تتنفّسون حتّى أصبح  جلدكم أكثر سماكة من جلد التماسيح؟

اصمتوا جميعكم، بل اقطعوا نفس لأنكم كلّ ما تفوّهتم خسرتم من رصيدكم الذي أصبح تحت الصفر. طأطئوا رؤوسكم كما يفعل السارقون. وهذا الرذاذ الذي تشعرون به ليس شتاءً في عزّالصيف، بل هو بصاق الموطنين الذين ستلاحقكم شتائمهم حتى القبر. لن يكتب عنكم التاريخ بل سيكتب ضدكم. لا حاجة لكتابة تاريخ لبنان الحديث أصلًا، إذ يمكن اختصاره بعبارة واحدة: وقد حكم لبنان زمرة من السارقين والفاسدين اعتبارًا من مطلع التسعينيّات، نهبوا خيراته وأفلسوه وماتوا بداء الجشع والتخمة بعدما حاولوا اقتسام الشمس فاحترقوا بنارها

اصمتوا جميعكم وأنتم في طريقكم إلى جهنّم وعزاؤنا الوحيد أنّنا لن نلتقي بكم، سنكون في الجهة المقابلة نراكم تحترقون بنار جشعكم ولا نلوّح لكم بأيدينا

حوار متخيّل بين الله وملاك لبنان الحارس

  

مضى وقتٌ طويلٌ لم أسمع منك جديدًا عن أخبار لبنان، يبدو أنّ الوضع مستقرٌ هنا

لا يُعلّق الملاك، بل يكتفي بهمهمةٍ غير مفهومةٍ مُبقيًا رأسه مُنخفضًا، ممّا يثير استغراب الله فيعيد السؤال

            ماذا، هل هناك ما فاتني فعلًا

ثمّ سرعان ما يتنبّه فيقول

             آه، تقصد فيروس كورونا، ولكنّه وباء عالمي ولا أظنّ أن ثمّة ما يشغل البال في لبنان أكثر ممّا هو عليه الوضع في دول العالم

هنا يستجمع الملاك كامل قواه ويقول

               بلى، الوضع في لبنان مختلف

يضحك الله ويقول للملاك

لقد فهمت قصدك، يتمتّع اللبنانيّون بحسّ الفكاهة ويُضاهون أحيانًا المصريين في تحويل المأساة إلى طرفة، ولا بدّ أن الأمر يُسلّيهم في حجرهم المنزلي، وأتوقع أن تُزوّدني ببعض طرائفهم، فهي غالبًا ما تضحكني

يعقّد استنتاج الله الموقف، ويزيد من إرباك الملاك الذي يتنهد طويلًا ويقول بعد أن يحثّه الله على فعل ذلك

  ليس هذا ما عنيته في حديثي، وإن كنت لا أخالفك الرأي، ولكن لا أعرف كيف أقولها لقد اختلف اللبنانيّون مجدّدًا طائفيَّا ومذهبيًّا ومناطقيًّا

قاطع الله الملاك وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب

 ماذا؟ هل أنت واثقٌ ممّا تقول؟ لا، لا…لا أصدّق ذلك. يُفترض بالمصيبة أن  تجمع لا أن  تفرق، هذا ما حرصت عليه حين خلقت بني البشر

                 إلاّ في لبنان، أجابه الملاك وقد علت محيياه علامات الأسى

أعاد الله السؤال محاولًا أن يُقنع نفسه أن الملاك أساء التعبير أو ربما ألتبس عليه الأمر

هل أنت متأكد ممّا تقول؟ أوليس اللبنانيّون هم الذين صنعوا السلسلة البشرية وأمسكوا بايدي بعضهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟ رغم أنّ المشهد بدا فلوكلوريًّا في حينها، ولكنّني قلت في نفسي لقد نجح اللبنانيّون أخيرًا في تجاوز كلّ مشاكلهم الطائفيّة والمذهبيّة وسوف يبنون لبنان الجديد … من أين جئت  بعبارة لبنان الجديد، تمتم الله متفاجئًا بما بدر منه

من عند الرحابنة أجابه الملاك الذي استعاد حيويّته بعدما أزال الاعتراف الثقل عن كهله  هذا الـ لبنان موجودٌ فقط في أعمالهم المسرحية وأغانيهم التي يردّدونها قبل جولات العراك وفي أثنائه ومن بعده

تنهد الله عميقًا وطلب من الملاك أن يُخبره بالتفصيل كيف اختلف اللبنانيون بشأن فيروس كورونا

جماعة 14 آذار يقولون أن مصدره إيران وجماعة 8 آذار ينكرون ويدافعون

   قاطعه الله بنبرةٍ غاضبة

ماذا قلت ؟ 14 و8؟ ألم تخبرني في آخر لقاء أنّ هذه  التقسيمات إلى زوال بعدما جاء 17 تشرين ووجّه لهم ضربةً موجوعة؟

يبدو أنّني بالغت في التفاؤل أجابه الملاك، وقد بدت عليه علامات الخجل والارتباك. هزّ الله رأسه في إشارة إلى الملاك ليفرغ ما في جعبته، فأخبره الأخير كيف عزّز فيروس كورونا الانقسام الطائفي والمناطقي، وكيف رفض نوابٌ في البرلمان عزل منطقتين مسيحيّتين ارتفعت فيهما نسبة الإصابات ما لم تُعزل في المقابل منطقتين مسلمتين

   ستة وستة مكرّر حتّى في التعامل مع وباء يُهدّد العالم، تمتم الله محاولًا أن يكتم غيظه

صمت الملاك قليلًا محاولًا أن يتبيّن موقف الله ممّا سمعه، والأهم أن يعرف إن كان يرغب في سماع المزيد. أومأ إليه الله في إشارة من رأسه لمتابعة حديثه رغم حنقه واستيائه الشديدين. أخبره الملاك أنّ الأحزاب الطائفيّة عادت بقوّة للعمل على استمالة الناس إلى صفوفها من خلال اللعب على الوتر الطائفي، وقد وصلت وقاحة بعضها إلى صناعة كمّامات تحمل إشارة الحزب، كما روى له أنّ سكّان منطقة الطريق الجديدة اعترضوا على إقفال القوى الأمنيّة للمطاعم والمقاهي في منطقتهم وقالوا: إذهبوا وأقفلوها في الضاحية الجنوبية قبل أن تأتوا إلينا. استشاط الله غضبًا وصرخ بأعلى صوته

ما هذا؟ لا أصدّق ما تسمعه أذنيّ! هل أنت متأكد ممّا تقوله؟ هل تتحدّث فعلًا عن الشعب اللبنانيّ، أم أنك ضللت طريقك وذهبت إلى كوكب آخر وصادفت شعبًا ظننت أنّه الشعب اللبناني؟

كان الله يقلّب بيديه، ويهزّرأسه، ويحدّث نفسه متسائلًا إن كان قد خلق اللبناني من طينة مُختلفة عن سائر البشر: “هل أخطأت في الطبخة مثلًا؟ ولكن مهلًا أنا خلقت الإنسان، ولم أخلق شعوبًا منفصلة بعجنات مختلفة. ما هذا؟ هل سأشكك بنفسي بسبب اللبنانيين؟

استفاق الله من شروده على صوت الملاك الذي كان مستمرًا في سرد الاخبار، وقد بدا على عجلة من أمره في إنهاء  هذه الجلسة وخصوصًا أنّ ليس في جعبته خبرٌ واحدٌ مفرحٌ، سمعه يقول

اختلفوا في تقييم أداء وزير الصحّة

شهق الله من شدّة الدهشة، فسارع الملاك إلى شرح المسألة على أمل أن يُخفّف ذلك من غضب الله، وهو أمرٌ مستبعدٌ بطبيعة الحال. أخبره إلى أن أنصار الوزير كادوا أن يصنعوا له تمثالًا تقديرًا لجهوده في محاربة كورونا، في حين أن المعترضين على الحكومة لم يروا حاجةً لشكره أو حتّى لتوجيه تحيّةً له على اعتبار أنّه يقوم بواجبه ولا شكر على واجب

نهض الله عن عرشه، وقد بلغ حنقه أعلى الدرجات، وصرخ بانفعالٍ هرع على أثره عددٌ كبيرٌ من الملائكة إلى القاعة حيث يتواجد الله مع الملاك الحارس للبنان

ما حاجة الوزير إلى تمثال؟؟ ثمّ ما العيب في توجيه تحيّة شكرٍ وعرفان للوزير حتّى ولو كان يقوم        بواجبه. أوليس اللبنانيّون هم من يمدحون رئيس الوزراء الكندي ليل نهار ويتغنّون بإنجازاته التي لا ناقة لهم  فيها ولا جمل، علمًا أنّه لا يفعل سوى ما يميليه عليه واجبه. ما هذا الإنفصام؟

تراجع الملاك خطوتين إلى الوراء، وكان يهمّ في الانحاء في إشارة إلى أنّه أنهى تقريره عن لبنان حين استمهله الله وسأله

أين هم جماعة 17 تشرين؟ أين هم صنّاع الانتفاضة؟ ماذا يفعلون؟ ولماذا لا يتحرّكون؟

أجابه الملاك بنبرةٍ حزينةٍ

أخشى أن تكون هذه الثورة قد دُفنت في مهدها

قاطعه الله

ما هذا التشاؤم؟ درب النضال طويل ويحتاج إلى مثابرة، لماذا هذا النفس الانهزامي؟

بكى الملاك، وقال

يبدو أن فيروس كورونا قضى على الثورة، إذ أن اللبنانيّن انطووا مجدّدًا في أحضان طوائفهم عند أول استحقاق يواجهونه. انقسموا وتفرقوا وعادوا الى نغمة التخوين وتبادل الاتهامات. لقد أهدروا فرصةَ تاريخيّة في إنقاذ لبنانهم من المُستنقع الذي يغرق فيه منذ ثلاثين عامًا

كان الله يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا والملاك يبكي بصمتٍ مطأطأ الرأس، سأله الله

هل يُعقل ألا يكون بين جماعة 17 تشرين أناس صادقون؟ لقد رأيت مشهدًا مؤثرًا جدًا في أيام الثورة الأولى، أين ذهب هؤلاء؟ انتصرت عليهم الطائفة وهزمهم الزعيم؟ هل هذا ما يُفترض أن استنتجه من كلامك؟ ألم يرفعوا شعار “كلكن يعني كلكن”، بالمناسبة لم يعجبني هذا الشعار، وجدته “كليشه”، ولكن قلت لابأس به في الوقت الحالي ما دامه قادر على حشد الناس

كفكف الملاك دموعه وأخبر الله كيف أن الأحزاب الطائفيّة والزعامات السياسيّة تغلغت بين المتظاهرين واستغلت الثورة وحوّرت أهدافها. خاف المواطنون: منهم من انكفأ وعاد إلى بيته مُحبطًا، منهم من التحق مجدّدًا بطائفته وحزبه وزعيمه، وقلّة قليلة جدًا ما تزال تعمل وتناضل وتؤمن بالثورة. هؤلاء صفقوا لوزير الصحة حين وجب ذلك وانتقدوا الحكومة بقساوة حين لمسوا أّنها تحاول تمرير مشاريع من تحت الطاولة. هؤلاء فقط يعطون كلّ ذي حق حقّه، ولكنّهم قلّة قليلة وأخشى عليهم من أن تبتلعهم نيران الطائفية والمذهبيّة والزبائينيّة المستعرة من حولهم

أطرق الله مُفكّرًا بعد أن جلس على عرش مجدّدًا واتكأ على عصاه، وسأل الملاك

الحل؟ هل لديك تصوّرما؟

هزّ الملاك رأسه بخجلٍ وأجاب الله

لقد استوحيته من إحدى الطرائف التي تداولها اللبنانيون في عصر الكورونا. لقد رفعوا صورة لعزرائيل يدعو المواطنين للخروج من بيوتهم لأنّه ينتظرهم في الخار

قهقه الله عاليًا وكلّما حاول أن يستجمع قواه غرق مجدّدًا في الضحك

رهيبون هؤلاء اللبنانيين، من أين يأتون بهذه الأفكار

ثمّ غرق الله في موجة جديدة من الضحك، قبل أن ينادي على الملاك عزرائيل ليُرسله في مهمة مستعجلة إلى لبنان يخطف خلالها أرواح السياسيين والطبقة الحاكمة وكلّ من تسوّله نفسه أن يحتمي بطائفته أو يسوّق للخطاب المذهبي. سأل الله الملاك

هل لديك اقتراحات تقدّمها لعزرائيل؟

ابتسم الملاك، وقد غمرته فرحة عامرة

بكل تأكيد، أصحاب المصارف أولًا وتكر بعدها السبحة

سأل الله الملاك

            هل لديك شيء تضيفه

أجابه

            أود أن أنهي خدماتي في لبنان

أنتظر وحسب

أمّا وقد دخل الحجر المنزلي أسبوعه الرابع، يُمكنني أن أؤكد لكم أنّه لم يكن ممتعًا على الإطلاق، بل قابضًا على الأنفاس والمزاج، ومُدمّرًا لخلايا الجهاز العصبي من دون رحمة. أدركت الأمر منذ اليوم الأوّل، ولكنّني آثرت الصمت تجنبًا لتهمة بثّ الطاقة السلبيّة والتعرّض لمُعاقبة قاسية على صفحات التواصل الاجتماعي يُنفّذها بحقّي جيش الطاقة الإيجابية. رغم أنّ التهديد ما يزال قائمًا، أظنّ أنّ الرغبة في البوح بحقيقة مشاعري وهواجسي تستحقّ بعض المجازفة

لا أدري فعلًا إذا دخلت في الأسبوع الثالث أم الرابع من الحجر. لم أعد أحسن احتساب الأيام، فالعلامات الفارقة التي استنبطها من حركتي اليوميّة واستخدمها لتنشيط ذاكرتي، سقطت كلّها دفعة واحدة في زمن العزل الكوروني. لا أميّز الأيام ولا أعرف متى يبدأ الأسبوع ولا متى ينتهي. لعلّها المرّة الأولى التي أفكّر في شكل الأسبوع فلا أراه سوى دائريّا، أمّا الأيام فأتخيّلها خطّا طويلًا لا أميّز نهايته. أنظر إلى الساعة لمامًا، وقد لا أنظر إطلاقًا. أنساها أو أتناساها، لا فرق، مرميّة في إحدى زوايا البيت. هذه الزوايا التي أُدرج التنقيب فيها وتأمّلها ضمن قائمة”فوائد الحجروإيجابيّاته“. لم أجد شخصيًّا أيّ فائدة للحجر سوى الحؤول دون إنتشار فيروس كورونا وحماية حياة أهل هذه الأرض بدءًا من الأكثر قربًا وصولًا إلى الأكثر بعدًا في المقلب الآخر من الكوكب حيث كنت أخطط للسفر في صيف هذه السنة المنكوبة. لا أقلّل من أهمية هذه الفائدة ولا أعارض موجباتها، بل أرى أنّها الفائدة الوحيدة المُهمّة التي تستحقّ من دون نقاشٍ أو استثناءات عناء العزل المنزلي، وكلّ ما عدا ذلك من إيجابيّات ليس سوى تجميلًا زائفًا ومُفتعلًا يرفع مستوى التوتّر، توتّري، إلى أقصى درجاته. لا أرى النصف المُمتلىء في هذا الكوب، كوب العزل، وتفعل فيّ الدعوة إلى استنباط الإيجابيّات أو اختراعها فعل المُسكن مع الألم، فما إن ينقضي مفعوله حتّى يعود مضاعفًا. حاولت أن أدخل لعبة الإيجابيّات، بل أن أستمتع بالإقامة الجبريّة عملًا بالنصائح التي يبثّها جيش الطاقة الإيجابيّة، ولكن من دون جدوى. وغالبًا ما كانت تأتي النتائج بمفمعولٍ عكسيّ لترفع منسوب الإحباط والكآبة مع حلول المساء. لا أُخفي سرًا، حين أقول إنّني كنت عضوًا فاعلًا في هذا الجيش قبل حقبة الكورونا، ورفعت حتّى الأمس القريب شعار ”الحياة ما بتستحق هلقد قهر“. أخال، وأنا أكتب هذه السطور، أنّ هذا الشعار نفسه هو مصدر قلقي واكتئابي واستيائي، فالكورونا هو القهر الذي لا تستحقه الحياة في معناها الواسع والشامل. يُصبح القهر مُضاعفًا في ظلّ تجميل القبح (العزل المنزلي) والتذاكي لإنتاج حياة مُصطنعة تُشبه وجه امرأة فعلت فيه عمليّات التجميل والسيليكون فعلها المقيت وحوّلته لعبة جفصين باردة، خالية من أيّ انفعالات أو تعابير إنسانيّة. لا يبدو هذا الكلام شعبيًّا، ولكنّه يعكس حقيقة مشاعري التي تتلهّى بي ليل نهار

 إ”فرحو في العزل، اكتبو في العزل، إقرأو في العزل، شاهدو الأفلام في العزل، إطهو في العزل، نظّفو بيوتكم في العزل…“ دفعة النصائح هذه التي لا يتوانى جيش الطاقة الإيجابيّة عن بثّها على مدار الساعة، تثير حنقي وتستفزّ سخريتي إلى حدودها القصوى. فحين تتحوّل المتع الصغيرة (باستثناء التنظيف والطبخ اللذين لم أعتبرهما يومًا من المُتع) إلى فعل أمرٍ فرضه الواقع تسقط عنها صفة المُتعة لتصبح واجبًا، وهو الصنف الذي لا أحسن التعامل معه وأفشل عند المحاولة فشلًا ذريعًا. أقرأ حين يحلو لي، وكذلك أفعل فيما يخصّ الكتابة أو مشاهدة الأفلام، أو حتّى في التواصل مع الأصدقاء الذي لا ألمس حلاوته إلّا حين يكون حيًّا ومُباشرًا. أنعزل عندما أرغب في ذلك، كثيرًا ما فعلتها ولا بدّ أن أفعلها طوعيًّا، مرارًا وتكرارًا، في حال نجوت من وباء الكورونا. لعّل الأمر مرتبطٌ بالمزاجيّة التي تغلب على طباعي وبالرغبة الدائمة في التفلت من كلّ القيود. أهرب من السائد والمألوف وأبحث دائمًا عن الإختلاف، أنسحب من القطيع لأغرّد خارج سرب التنميط ليس بنيّة التمايز ولكن تلبيةً لرغبةٍ داخليّةٍ جامحةٍ بالرفض الدائم لما يحظى بالإجماع. تمرّد طفولي ربّما أبى أن يغادرني

تبدو الدفعة الأولى من نصائح جيش الطاقة الإيجابيّة أكثر رأفةً وقبولًا وتحمّلًا من الدفعة الثانية التي تتجاوز الاقتراحات العمليّة لتمضية الوقت إلى الدعوة للتأمّل الوجودي. هنا تقع الطامة الكبرى! وهل فعلًا يحتاج الناس إلى وباء ليطرحوا على أنفسهم الأسئلة الوجوديّة؟ وهل أعطي الكورونا وكالةً حصريّةً للتحفيز على التفكير ومن بعدها مباشرة المسامحة والتسامح. وماذا عن كلّ الويلات التي عايشها الجيل الذي يشهد على كورونا اليوم، ألم تكن كافيةً لإجراء التمرين الوجودي؟؟؟ لعلّ أكثر ما سمعته أو قرأته في هذا الإطار سذاجةً، القول إنّ العالم سيتغيّر بعد الكورونا، وسيصبح البشر أكثر إنسانيةً، وسيتعلّمون الدرس الذي لقّنتهم إيّاه الطبيعة. أقول: هراء، وأفضّل هنا التعبير بالإنكليزيّة ”بول شيت“. العالم يزداد وحشيةً لا إنسانية. وكلّ وباءٍ يُمعن أكثر فأكثر في كشف الجانب الوحشي لدى بني البشر. نظرة سريعة في زمن الانتظار إلى التاريخ القديم والحديث، أو ربّما الاكتفاء بحادثة إقدام بعض الدول على سرقة الكمّامات من درب دول أخرى تؤكد أنّ تفعيل الإنسانية  في أزمنة المصائب والأوبئة هو محض هراء. غدًا حين ينتهي كورونا، ستعاود البشريّة إلى ممارسة عدائيتها من حيث انتهت في المشهد قبل كورونا، علمًا أّنها لم تنفك عن فعل ذلك أثناء الوباء

فكّر، عزيزي المعزول بنفسك، بإخفقاتك الكثيرة ونجاحاتك المحدودة، بأحلامك وطموحاتك، بالأذى الذي ألحقته بالآخرين أو الأذى الذي ألحقوه بك. فكّر من أنت؟ من تكون؟ وماذا تريد؟ فكّر بالخلق والنجوم والمجرّات ولا تنقطع عن التفكير حتّى لوأدّى بك الأمر إلى الخروج مجنونًا من العزل، المهم أن تخرج، وهنا تكمن روحيّة مفاهيم الطاقة الإيجابيّة. حسنًا، ولكن ماذا عن الذين سبق أن أنهوا هذه المهام التفكيريّة، وأنا واحدة منهم؟ ماذا نفعل؟ هل نعيد التفكير، انطلاقًا من أنّ في الإعادة أفادة!!! لقد سبق أن فكّرت وفكرّت كثيرًا. تصالحت مع نفسي، ومع ناسي، ومحيطي، ومجتمعي، ومع الكون. قبلت الآخر وتركت له حريّة أنا يقبلني أو يرفضني متفهمةً خياره. أيقنت أنّ الشعار الذي رفعته يومًا: ”الحياة ما بتستحق هلقد قهر“ ذو فعاليّة مستدامة. ولأنّ الحياة على ما هي عليه قرّرت أن أعيشها ولا أهدرها على توافه الأمور، أن أستغل كلّ لحظة وأجعلها لحظة حياة وحياة فقط. جاءت كورونا لتعيق تفكيري الإيجابي، لتجمّده، لتسرق أيامي التي كنت أنوي أن أسرق لحظاتها الحلوة، ماذا أفعل؟ أنتظر وأنتظر فقط لأغتنم فرصة الحياة مجدّدًا. أنتظر بشوقٍ لأن أراقب صخب الحياة من على شرفة منزلي و ألوّح لها بيدي، ومن ثم أتابع قراءة رواية ما بين يديّ. أنتظر من دون إطلاق دعوات الحب والحنان واستحضار فائض العواطف لأغمر به كلّ من هم حولي فعليًّا وإفتراضيًا. لم يُحفزني فيروس كورونا على فعل ذلك. لقد عايشت ظروفًا أكثر صعوبةً وتعقيدًا وكانت أكثر كفاءة في استنفار منظومة مشاعري بعفويّةٍ وصدقٍ تاميْن. تخليّت عن توافه الأمور قبل حقبة كورونا، تعلّمت استخدام الأذن الطرشاء في الاستماع إلى ما لا يعجبني، أتقنت عدم خوض نقاشات بيزنطيّة، ومرّنت نفسي ولا أزال على الابتسام بدلًا من الردّ الذي لا أرى منه طائلًا في مواضيع خلافيّة. لم أفعل ذلك وأنا أنظر إلى السقف بانتظار القضاء على وباء كورونا، أو وأنا أستجلب سعادة مُزيّفة واحتفاليّة بلهاء باستغلال وقت العزل إيجابيًّا. فعلته على مرّ الأيّام والأعوام والإخفاقات والإحباطات، ودفعت ثمنه الكثير من الدموع والألم والخسارات والكثير أيضًا من التمرّد؛ وقلت آن الأوان لأن أعيش الحياة كما أرغب لا كما يجب وفق منظومة قوانين تمعن في تقييد الإنسان بدلًا من أن تحرّره.  قرّرت أن أعيش الحياة كما أرغب بعد أن أيقنت فعلًا ”أن الموت قد يكون أفضل طريق إلى الحياة“ (نقلا عن الرفيق برلين في لا كازا دي بابل). لا فضل للعزل المنزلي بذلك ولا لمسبّبه فيروس كورونا الذي لم يفعل سوى تأكيد المؤكد في منظومة قناعاتي. لذا، كلّ ما أفعله في حقبة كورونا هو الانتظار. أنتظر بقلق وتوتر. لم يكن الانتظار والهدوء يومًا مُكمّلان لبعضهما أو مُتجانسان أو يمكن إيرادهما في حالة نفسيّة واحدة. أنتظر بخوفٍ ورعبٍ من أن تسبقني الحياة وهي تفعل حتى ولو كان كل الكوكب معطلًا، فالحياة تسير وفق شروق الشمس وغروبها، وتنزع كلّ مساءٍ صفحةً من يوميّات لم أكتب عليها سوى عبارة الانتظار. أنظر إلى السقف من دون أفكار كبيرة وخطيرة. أنتظر وحسب

وفي اليوم الـ33: أين أصاب المنتفضون وأين أخطأوا

73342354_402363734019939_605301552185344000_n

 

 حين نزل المواطنون إلى الشارع عشية 17 تشرين الأول، لم يكن هناك مُخطّطًا للتحرّك، ولا استراتجيا للاستمرار، ولا لائحة بالمطالب، ولا حتّى ثقةً بأنّ هذا التحرّك سيأتي بأيّ نتيجة إيجابيّة. كانت صرخة غضب لا أكثر ولا أقل، لم يكن متوقّعًا أن تتجاوز أصداؤها المتظاهرين أنفسهم. ولكن ما فاجأ المتظاهرين قبل أن يُفاجئ السلطة أن صراخهم لاقى تجاوبًا منقطع النظير، فلبّى مواطنون آخرون الدعوة لتمتلئ الساحات على مدى الأيام التالية في مشهدٍ موحّدٍ قلّ نظيره يجمعه العلم اللبناني ولا تفرقه مناطقيّة أو طائفيّة أو مذهبيّة. تحوّل المتظاهرون في رياض الصلح خلال أيامٍ قليلة إلى منتفضين انتشروا على مساحة الوطن وأجمعوا على المطالبة باستعادة حقوقهم في العيش الكريم. لقد نجحت السلطة، مشكورةً، لمرةٍ واحدةٍ استثنائيّةٍ أن توحّد المواطنين على مطلبٍ واحدٍ: وقف الهدر والفساد، المحاسبة، واستعادة المال المنهوب. ”ليس لدينا مطالب بل لدينا حقوق“. قد تكون هذه العبارة الأكثر بلاغةً واختصارًا وتعبيرًا عمّا دفع اللبنانيين إلى الشارع بعدما نزعت عنهم صفة المتظاهرين الذين يسعون إلى تحقيق مطالب محدّدة، وحوّلتهم إلى مُنتفضين يستردّون حقوقهم المُغتصبة
ممّا لا شكّ فيه أنّ الثورة حقّقت منذ انطلاقتها الأولى وحتّى اليوم انجازاتٍ كثيرة ومتنوّعة، قد لا يكون ما تحقّق سياسيًّا أهمّها. ورغم أنّ هذه الانجازات لم تعد خافيةً على الرأي العام عمومًا، لا بدّ من الإشارة إلى أبرزها، وخصوصًا تلك التي أخافت الطبقة السياسيّة وأربكتها أكثر من إسقاط حكومة، وتعطيل انعقاد جلسة مجلس النواب لمرّتين متتاليتين، أو فرض دفع فواتير الخلوي بالعملة اللبنانيّة عوضًا عن الدولار الأميركي على سبيل المثال لا الحصر. لقد استعاد المواطنون ثقتهم بأنفسهم وأدركوا أنّ لديهم صوتًا مؤثّرًاغير ذاك الذي يُسقطونه في صندوق الانتخاب لصالح زعماء الطوائف. لقد سقطت مقولة ”شو طالع بإيدنا“ كما سقط مشهد ”الغنم“ الذي يُساق إلى قدره، وحلّت مكانهما صورة شعبٍ يؤمن بأن لديه القدرة على استعادة حقوقه المسلوبة. وحّدت الثورة الساحات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا ببيروت ووصولًا إلى البقاع. سقطت الحواجز النفسيّة وزال الخوف من المواطن الآخرالذي أصبح شريكًا في بناء الوطن الجديد. لعلّها المرّة الأولى، بعد مرور ثلاثين عامًا على انتهاء الحرب اللبنانيّة، التي سقطت فيها الحواجز فعلًا لا قولًا. أصبحت المناطق والساحات تُسمى بأسمائها بعدما كانت تُعرّف بـ”مناطقهم“ و”مناطقنا“. عادت بيروت عاصمةً جامعةً غير مُقسّمة بين ”شرقيّة“ و ”غربيّة“، هذا التقسيم الذي انتجته الحرب ولم يلفظه السلم، بل ظلّ قائمًا في القاموس الشعبي اللبنانيّ وراسخًا في الذاكرة. تعارف الناس فيما بينهم في الساحات. تحدّثوا وناقشوا، سُمعوا واستمعوا وهو ما لم يحصل منذ انتهاء الحرب، ولو حصل لما آل حال البلاد إلى ما كان عليه حتى 17 تشرين الأول. شكّل التواصل الإنساني والاجتماعي إحدى علامات هذه الثورة الفارقة. الناس كلّ الناس من مختلف الأعمار والأجناس والانتماءات الطائفية والمذهبية والطبقية وحتّى السياسيّة التقوا وهتفوا ضد السلطة الفاسدة، وهنا بيت القصيد. تلك هي اللحمة التي أخافت السلطة وجعلتها مربكة وعاجزة عن التصرّف. مشهد لم تعتد عليه، مشهد نذرت حياتها السياسيّة لبناء نقيضه، مشهد اتّحدت بكلّ مكوّناتها المتنافرة والمتضاربة  للحؤول دون تشكّله في الوعي الجماعي لصالح تعزيز الخلاف بين مكونات المجتمع على أسسٍ طائفيّة ومذهبيّة ضيّقة. لا يخيف السلطة السياسيّة إسقاط حكومة في الشارع على أهميته، ولا يعيقها تعطيل مجلس النواب في جلستين متتاليتين رغم استثنائيّة هذا الفعل ورمزيته. لديها فائض من الدهاء والخبث والإنكار للتعامل ما هذه الوقائع كأنها تحصل في كوكب آخر. وليس التأخر في تشكيل الحكومة سوى دليل ساطع على ذلك. ولكن ما يخيف السلطة السياسيّة فعلا هو اجتماع اللبنانيين من مختلف الأطياف تحت راية العلم اللبناني وعلى وقع هتاف واحد: ثورة، ثورة، ثورة
أخطأت السلطة وأمعنت في ارتكاب الأخطاء(راجع المقال السابق)، ولكن ماذا عن الثوّار، ألم يُخطئوا أيضًأ؟ لقد فعلوا ذلك من دون شك، وهذا طبيعيّ وبديهيّ ويحصل في كلّ التحرّكات الشعبية أيًّا كان حجمها وأيًّا كانت أهدافها. ولكن من المجحف بحق الثورة والثّوار مقارنة أخطائهم بأخطاء السلطة، وأيّ محاولةٍ لوضعهم على قدم المساواة على هذا المستوى أنمّا يهدف إلى الحطّ من قدر الثورة وإجهاضها. فالثورة في صورتها الراهنة حالة شعبيّة غير مُنظّمة ضمن أطر كلاسيكيّة، لا قائد لها ولا ”مجلس قياديّ“ و”لا ضباط أحرار“… تلك هي أبرز نقاط قوتها وضعفها في آن: قوية لأنّها جامعة من دون غطاءٍ حزبيّ أو طائفيّ أو سياسيّ يُسيّرها وفق أهوائه، وضعيفة لأنّ القدرة على اختراقها في مثل هذه الحالات تصبح مرتفعة ومتاحة. ثمّة خطر آخر مرتبطٌ باحتمال أن تفقد الثورة زخمها بعدما يُصاب المنتفضون باليأس فيتراجع حماسهم، وهو ما لا يحصل عادة حين تكون الثورة بقيادة حزبية تملك دائمًا أدوات اشعال الشارع ومدّه بمقومات الصمود. ولكن السلطة، مشكورةً هنا، قامت بدور الأحزاب. فبقدر ما راهنت على تعب المنتفضين ويأسهم بقدر ما كانت تمدّهم بأسباب جديدة تدفعهم إلى عدم مغادرة الساحات. كانت تشدّ عصبهم باستعلائها وتكبرّها وتجاهلها لما يجري من حولها. انطلاقًا من خصوصية الثورة اللبنانية، من المجحف الحديث عن أخطاء، بل هي هفوات قد يؤدي تجاهلها أو انكارها إلى الإضرار بالثورة ويحوّلها إلى أخطاء قاتلة وخصوصًا أن المتربصين بها كثر والمتضررين منها يسعون إلى اسقاطها ولا يوفرون مناسبة لذلك
يخطئ المنتفضون إذا ظنّوا أن العالم الخارجي سيقف متفرجًا عليهم، وأن جلّ ما سيفعله هو التصفيق لهم إعجابًا ودهشةً بخروجهم من كلّ العباءات الطائفيّة والمذهبيّة التي ارتدوها لأعوام خلت. ويخطئون أكثر إذا ظنّوا أن لبنان يغرد خارج محيطه ومحيّد عن كل الصراعات المحيطة ، وأن السلطة أو بالاحرى حزب الله حصرا هو الذي أدخله في لعبة المحاور، وأنّه في حال  تمّ القضاء على هذه السلطة، سيعود لبنان كما درسناه في كتب التاريخ والجغرافبا واحة الحريات وقبلة الشرق…لذا، من الخطأ أن ينتفض المنتفضون كلّما سمعوا ان هناك جهات خارجية تستفيد او ستستفيد من هذه الثورة وتسعى الى توظيفها لمصلحتها. الملاحظة ليست تهمة بل حقيقة يجب عدم الاستهانة بها
يخطئ المنتفضون حين يقلّلون من أهمية وجود متسلقين يحاولون استثمار الثورة وتجييرنجاحاتها لغايات خاصة ومحدّدة. ويخطئون أكثر إذا اكتفوا بالقول ”لن نسمح لهم“ ومضوا كأن شيئا لم يكن. وهنا بعض الأمثلة السريعة: شعار نزع سلاح حزب الله، ليس شعارًا جامعًا بل شعار رفعه متسلّقون بإيعاز من جهات خارجية. وللتوضيح، فان تعبير متسلّق فضفاض ولا يقتصر على بعض أحزاب السلطة ومنها القوات اللبنانيّة، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب الكتائب، وتيار المستقبل، بل يشمل نسبةً لا بأس بها ممن ينضوون تحت لواء المجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية. لا يمكن تجاهل هذه الشعارات واعتبارها ناتجة عن أفراد لا يمثلون سوى أنفسهم  ذلك أن رفعها أكثر من مرّة وفي غير مناسبة أخرج الجمهورالمؤيد للمقاومة من الساحات. والجمهور المؤيد مرّةً جديدةً هو غير الجمهور المحازب
يخطئ المنتفضون حين يسمحون بالتصويب على منصب رئاسة الجمهورية وعلى الرئيس ميشال عون. إذ أنّ هذا التصويب أظهر وكأن المشكلة هي مع هذا العهد ومع رئيسه الذي تقع على عاتقه مسؤولية الهدر والفساد دون سواه. ولا يكفي رفع شعار ”كلن يعني كلن“ لإزالة تهمة التصويب على شخص الرئيس على اعتبار أنّه جزء من الكل. فادعاء البراءة هنا غير مُستحب. إنّ الأضرار الناتجة عن استهداف الرئيس ميشال عون وتحقيره تارة بالحديث عن هروبه بثياب النوم في 13 تشرين 1989 وطورا بمناداته ”ميشو“، استفز العونيين، ودفع بهم الى الخروج من ساحات الانتفاضة. والعونيون هنا، هم غير المحازبين في ”التيّار الوطني الحر“. وهكذا خسرالمنتفضون كتلة ثانية لا يستهان بحجمها انسحبت من الساحات وأصبحت ضد الثورة. يضاف إلى هؤلاء، أولئك الذين يرفضون المسّ بالمنصب الأول على اعتباره خطّ الدفاع الأخير للطائفة المارونيّة
أخطا المنتفضون حين قطعوا الطرقات فور انتهاء مقابلة الرئيس عون وادعوا أن هذا العمل  غير مدبّر أو مقرّر سلفا. كما أخطأوا حين تظاهروا في محيط قصر بعبدا وطالبوا باسقاط الرئيس، فبدا المشهد شعبويًا ويوحي بالفوضى العارمة. وكأن كل الوعي الذي تمتّع به المنتفضون خلال الأيام الأولى من الثورة قد تبدّد، أو لعلّها من أفعال المتسلقين الذي يسعون الى تصفية حسابات سياسية مع الرئيس عون. قد لا يعجب هذا الكلام الكثرين، ولهم نوجّه السؤال: ماذا يعني اسقاط الرئاسة الأولى بعد اسقاط الحكومة؟ الفوضى؟ أم أنّ ثمّة بديل جاهز تحت الطاولة سيملأ الفراغ فور حصوله؟! والقول بأنّ البلاد سبق أن عاشت فراغًا رئاسيًّا ولم تتأثر، هو دليل سذاجة سياسيّة ولا يبشر بالخير. ليس دفاعا عن الرئيس، بل دفاعًا عن الأهداف التي لأجلها اندلعت الثورة والتي يحرّفها التصويب على منصب الرئاسة الأولى عن مسارها. أليس ملفتًا أن ثمّة شخصيّات سياسية نالت حصّة الأسد من التهشيم على حساب شخصيات أخرى بدت وكأنها لم ترتكب سوى بعض الجنح عبر تاريخها السياسي الطويل؟ ثمة طرفة قد تشرح الواقع أفضل من أيّ مثال. كان أميركيّ يحدّث روسيّا عن الديموقراطية في بلاده، وأعطاه مثالًا على ذلك أن بامكانه الوقوف تحت تمثال الحرية وشتم الرئيس الاميركي، فسارع الروسي إلى التأكيد أنّ بلاده لا تقلّ احترامًا للحريات عن الولايات المتحدة الاميركيّة إذ بامكان أيّ مواطن روسي أن يشتم الرئيس الأميركي في الساحة الحمراء في موسكو. الطرفة برسم سميرجعجع وبشري، ووليد جنبلاط وساحات الشوف، وسليمان فرنجيّة وزغرتا، وحزب الكتائب والأشرفية
ينزلق المنتفضون أحيانًا باتجاه خطاب التخوين، وكلّ انتقادٍ أو ملاحظة أو لفت نظرأو تساؤل يضع صاحبه في خانة المشكوك في أمره. أيّ اعتراضٍ على قطع الطرقات أوالأشارة إلى أن أطرافا سياسيّة هي التي تعمد إلى ذلك لغايات خاصة تضع المعترض في خانة عدو الثورة، هذا مثال من عشرات الامثلة التي جعلت البعض يشعرون أنهم يتعرضون إلى فحص دم ثوري مع كلّ كلمة ينطقون بها
أخيرًا وليس آخرا، مصيبة الفايسبوك والفبركة التي يُتقنها كلا الطرفين أعداء الثورة ومناصريها، إلى التنافس في اطلاق النكات السمجة أحيانًا، أو السباب والشتائم التي تجاوزت كلّ الحدود الأخلاقيّة، أصبح ذلك مهنة قائمة بذاتها والشكوى لغير مارك زوكريبرغ، سامحه الله، مذلّة