مات حسّي الوطني…والسلام

asasda

Screenshot_20220915-213111_Facebook تيقّنت قبل أيام قليلة أنّني فاقدة تمامًا للحسّ الوطني، علمًا أنّني لم أكن يومًا من المتطرّفات في وطنيّتهم. لا ينتابني أيّ إحساس حين أرى العلم اللبناني، ولا يقشعر بدني حين أسمع النشيد الوطني، بل لطالما تململت في مكاني وراوغت قبل الوقوف احترامًا، كما يقال كلّما عُزف النشيد في أي حفلٍ أو مناسبةٍ او تكريم ( فعل لم أفقه معناه ومؤداه أصلًا). ومن نافل القول أنّني أكون أوّل الغارقين في كرسيّ قبل أن تتناهى إلى مسمعي آخر كلمات النشيد التي لم أردّدها أو أتمتمها مع جوقة الوطنيّين لا في السرّ، ولا في العلن.
رغم ذلك ، لم أكتشف أنّ حسّي الوطني تلاشى كليًّا إلّا قبل فترةٍ قصيرة. والشكر كلّ الشكر إلى وسائل الإعلام، وكومبارسها، وسائل التواصل الاجتماعيّ الذين حين يبدؤون في تمجيد لبنان واللبنانيين وإنجازاتهم، أشعر بالدوار الذي تحوّل أخيرًا إلى غثيان.
تفاقمت الحالة وانكشف المستور مع #ميّاس التي لا يرمي كلامي إطلاقا إلى النيل من عملها الإبداعيّ أو التقليل من قيمة إنجازها الفني المُبهر. أدهشني العمل بحدّ ذاته من دون أن يكون للأمرعلاقة بلبنانيّة الفرقة، أو بكونها تقدّم هذا العمل «من أجلك يا لبنان». ولو كانت الفرق المُنافسة أفضل في أدائها منها، لتحمّست لها وليس لفرقة ميّاس. سبق أن أحببت أعمالًا كثيرة من مواسم سابقة، شاهدتها عن طريق الصدفة، فأثّرت في أعماقي وأبكتني مثل «بيردي» على سبيل المثال، لا الحصر من دون أن تستوقفني هويّة صاحب العمل الفنيّ  لتزيد من إعجابي به أو تقلّل منه. لا أدري إذا ما كانت تلك خيانة وطنيّة أُحاسَب عليها، أو إذا ما كنت أحتاج إلى جلسات مُكثّفة في العلاج الوطني، وإذا كان الضمان الإجتماعي يغطّي تكاليف هذا العلاج أم لا.

ميّاس جميلة ، ومُبدعة، وتستحق أعلى المراتب عن جدارة ولا علاقة للبنان بالأمر، بل أن الاصرار على إقحام لبنان في كلّ خطوة وكلمة وإشارة أمر مقيت. لن يُعجب التوصيف حماة الأرزة. ولكن في مساحة الحريّة الضيّقة التي أفترض أنّها لا تزال مُتاحة، أقول إنّ هذا الإقحام كان أسوأ ما في المشهد، خصوصًا أنّه اتخذ في المرحلة الأولى لظهور الفرقة منحًى استعطافيًا كانت ميّاس بغنًى عنه. ثمّ استلمت الدفّة وسائل الإعلام وفي مقدّمها الـ «إل.بي.سي» أم الصبي، التي كلّما شاهدت نشرات أخبارهم تساءلت، استطرادًا، إذا ما فاتني تحوّلهم إلى قناة ترفيهيّة.

لم أشعر بفخرٍ وطنيّ في كلّ مراحل تأهّل الفرقة وصولًا حتى التصفيات النهائيّة، وبلوغها المرتبة الأولى. لم أشعر بشيء على الإطلاق. فنظام الخلايا عندي لا يعمل بشكل مجزّأ. خليّة للفخر أمام شاشة التلفزيون، وأخرى للذّل أمام المصرف، وثالثة للقهر حين يرمقني المصعد بنظرة شماتة  ويقول لي« عالدرج…» ورابعة للهرولة خلف الصعود الصاروخيّ للدولار، وخامسة  للموت مع كلّ مريض لا يجد دواءه أو لا يملك ثمنه
أوليس هذا هو وجه  لبنان الحقيقي الذي نسعى لطمسه خلف البرقع الذي ارتدته راقصات ميّاس؟ أقول وأكرّر ليس في هذا الكلام أيّ انتقاصٍ من إبداع فرقة ميّاس، بل على العكس تمامًا، إنّه محاولة لإحقاق الحق. حقّها في النجاح الذي انتزعته ببراعةٍ وإتقانٍ وحرفيّة بعيدًا عن «أرضك يا لبنان» أو بالأحرى«من أجلك يا لبنان». سؤال يطرح نفسه هنا: إذا كان هذا العمل قد قُدّم من أجل لبنان، فهل ستُوظّف جائزة المليون الدولار(صحتين ع قلبهن) في مشاريع للبنان مثلا؟ أم إنّ عبارة من«أجلك يا لبنان» شعار دعائيّ انتهت فعاليّته مع وصول الفرقة إلى مبتغاها في حصد المرتبة الأولى؟

استُنزف نظام الخلايا عندي وأُتلف إلى حدٍّ لم أعد أرى عنده في ميّاس نقطة مضيئة في النفق، نفقنا المظلم. النفق الحالك السواد الذي أضاءت ميّاس نورًا خارجه، وانطلقت نحو العالمية. أمّا نحن الغارقون في مياهنا الآسنة، لم يبقَ لنا سوى أيدينا نلوّح بها نُصفّق، مهلّلين لنجاة من نجح في الخروج من المستنقع، أو مُودّعين «الأدمغة المُهاجرة»، إذ يبدو أنّ لا أدمغة عند من لم يسلُك هذا الدرب. وهل من تفسير آخر لهذا التعبير؟

من أين آتي بالشعور الوطنيّ، هل من يبيع، وبأيّ سعرٍ؟ وعلى أيّ صرف؟ غدًا يأتيك من يقول أو ربّما قالوا وفاتني الأمر لخير جهازي العصبي، إنّ فرقة ميّاس تجسّد الوحدة الوطنيّة لأنّ فيها من كلّ الملل والطوائف والمناطق و…و…و، تمامًا مثلما أمسك اللبنانيّون بأيادي بعضهم بعضًا على طول مساحة الوطن في واحد من مشاهد تتفيه انتفاضة 17 تشرين، ثمّ عادوا إلى بيوتهم  ونصبوا متاريسهم الطائفيّة والمذهبية المقيتة لم يتحرّك شعوري الوطني مع ما أقدمت عليه # سالي_حافظ وسواها من مواطنين مقهورين ومسروقين اقتحموا ّ المصارف لاسترداد حقوقهم. لم اشعر بالفخر ولا هرعت  إلى استبدال الأرزة بصورهم (بالمناسبة، لم يفعل أحد ذلك!!)، علمًا أن ّصورة سالي حافظ تصدّرت الصحف الأجنبيّة، تمامًا مثل فرقة ميّاس. فرحت لهم، فرحت بالثأر وبسياسة العين وبالعين والسنّ بالسنّ والبادي أظلم ودولتي هي الظالمة والجائرة. ولكن حسّي الوطني لم يحرك ساكنًا، أمّا الفخر، فصفة سقطت مع كلّ القيم  الأخرى في وطننا البائس لبنان الحبيب    .

عذرًا، لأنّني فقدت الشعور الوطني ودفنته في أرض الوطن الحبيب لبنان. عذرًا لأنّ عبارة «هيدا هو  لبنان» تستفزّني بقدرٍ أكبر ممّا تستفزّني عبارة «رفع اسم لبنان عاليًا».  أشعر أحيانًا بتسبّب شعبنا العظيم في إحداث ثقب في طبقة الأوزون من شدّة الارتفاع عاليًا حتّى ولو على خازوق. ولمن لا يعرف أو يتجاهل ، يعرف من نرفع أمامهم اسم لبنان عاليًا، عن وطننا أكثر ممّا نعرف نحن عنه أو بالأحرى نعترف به. لذا،  أقتضى التأكيد لأنّ الفخر في عيوننا يتحوّل شفقة في عيونهم. إنّهم يعلمون، فكفى ارتفاعًا وعلياءً لأن الارتطام موجع ومؤلم. ماذا تعني عبارة «هيدا هو لبنان»؟ وماذا عن ذاك الذي نعيش فيه؟ وإذا كان «هيدا هو لبنان»، لماذا تركناه يصل الى الحضيض، نحن الفخورون بلبنانيّتنا وبنقل صورة جميلة عن بلد جعلنا كلّ ما فيه بشعًا. ماذا فعلنا نحن للبنان، سوى تصدير أولادنا للخارج، ماذا فعلنا سوى البحث عن جنسيات ثانية وثالثة ورابعة؟ ماذا فعلنا سوى التغنّي بأمجادٍ غابرة، اخترعناها على الأرجح وصدّقناها. لماذا لم نفعل؟ أو نحن أيضًا «ما خلّونا» فاستسلمنا؟ لن أدخل في الحديث عن معنى الوطنيّة وشكلها وماهيتها، ولا كيف نبني شعورًا وطنيّا وننمّيه، إذ لا بدّ أن يستدرج ذلك خلافًا أكثر تعقيدًا وتشعبًّا، وأعنف من الخلاف على كتاب التاريخ. ولكن أقول: إنني تيّقنت من موت حسّي الوطنيّ الذي كلّما حاولت إعادة احيائه، شعرت بمزيدٍ من الاختناق

بين الانهيار والانفصام يولد لبنان الجديد

201903180159415941

الانهيار والانفصام: خطّان متوازيان أشبه بحبال السيرك ، ننتقل بينهما ، نحن اللبنانيين، برشاقة مشهودة. ليس في التشبيه أي استعارة، ولا هو سجع، كما لا علاقة له بالجناس والطباق، ولا بأيّ من تعريفات اللغة العربية المُلهمة. فالبلد سيرك قائم على الارتجال. ونحن عتاة الارتجال. نضع رجلًا على حبل الانهيار نهارًا، ثمّ ننقلها بخفّة الريشة على حبل الإنفصام ليلًا. لا نرقص مذبوحين من الألم، هذا التشبيه الذي نلجأ اليه لنخفّف من وطأة تبلّدنا. نرقص ونغني ونسكر تمامًا كما يفعل كلّ الذين يغنّون ويرقصون ويسكرون في العالم. ننهار كما يليق بالانهيار أن يكون، ثمّ ننفصم، فيتجلّى انفصامنا بأبهى حلله. الانهيار والانفصام: حالتان قائمتان بذاتهما. نعيشهما بكامل جوارحنا. نتفوّق على أنفسنا، وعلى شركائنا في كوكب الأرض في خوض غمارهما. محترفون نحن.ن

ننهار أمام الغلاء الفاحش وتدهور العملة الوطنية، أمام باب الفرن، في محطة الوقود، في الصيدلية، أمام صندوق المحاسبة في المستشفى. نغيب عن الوعي لدى قراءة الأصفار في فاتورة صاحب الموّلد، ربّنا الأعلى. نستشيط غضبًا كلمّا قرأنا أو سمعنا أو تذكّرنا فجيعة ٤ آب. ننسى لن ننسى. ننهار على عدد الثواني اليوميّة التي تدهسنا بمصائبها المتوالدة من بعضها. نلعن السلطة من رأس الهرم حتى أسفله. نصفّق لكلّ من يتجرأ على مصرف، على زعيم، على رمز من رموز الفساد والقهر والذلّ. نتبارى على صفحات التواصل الاجتماعي في شتم كل من أوصلنا إلى القعر، نُمعن في قدحهم وذمّهم. نشعر بنشوة كلّما حصدنا عددًا أكبر من الإعجابات والقلوب الحمراء، أو حتّى الوجوه الضاحكة، فهذا دليل على ظرافتنا في خضم الانهيار. نشعر أنّنا أدّينا قسطنا للعلى في الاعتراض على الانتهاك الحاصل لحقوقنا، لوجودنا وكينونتنا. ننهي انهيارنا راضين، ثمّ نستعد للانفصام.م
ننفصم بمهارة ورشاقة، منافسين لاعبي  السيرك الأكثر احترافًا. لا نرضى لانفصامنا أن يدل على ضعف أو عجز، فنسميّه إرادة حياة. نخترع مصطلحات تناسبنا أو بالأحرى نعطي لحالنا أوصافًا تجمّلنا. في المناسبة، نعلم أنّ ليس في الانفصام أي إرادة، بل هو أقرب إلى تجاهل للواقع الذي نعيشه من دون الغوص في التعريفات البسيكولوجية لهذه الحالات. نعلم ونتجاهل. أمّا إرادة الحياة في ثقافة الشعوب خارج كوكبنا اللبناني، فهي مواجهة الواقع لا التأقلم معه والإذعان له. نعلم ذلك أيضًا ونتجاهله. وإذا أردنا أن نرتقي بوصف حالنا مدّعين الموضوعية ومستدرجين التعاطف، نقول إنّنا نعيش حالة إنكار، ولإعطاء الحالة بعدها الثقافي، بل الفلسفي والوجودي، نقولها باللغة الأجنبيّة: ” عم نعيش ديناييل”. ل  
ننهار فيسقط لبنان من عليائه حتى سابع أرض، ثم ننفصم فنرفع اسمه عاليا. نحلّق به أعلى من حدود السماوات السبع. نرفع اسمه بأطيب صحن حمص، ثم نرفعه أعلى مع “أهلا بهالطلّة”، فأعلى بانتخاب ملكة الجمال، حدث شكّل غيابه عن لبنان لمدّة عامين متتاليين كارثة الكوارث. نحصد مع الملكة ووصيفاتها مواسم الكرز والتفاح ونصفق للزواج المدني الذي من شأنه ان يعزز الميزانية…ننفصم مع القعدة الحلوة واللقمة الطيبة، ثم ننهار أمام كلفة الانفصام وفاتورة المطاعم التي شاءت هي أيضا أن ترتفع وتحلّق عاليا. ولا يكتمل الانفصام من دون غرس شجرات الأرز التي حوّلت زرقة السماء إلى أخضر نقي. ففي سماواتنا أرز ، الكثير من الأرز، أكثر مما يوجد على الأرض وفي المحميات التي نخرها السوس. في انفصامنا يتوالد رجال الأرز من كلّ فعل يقومون به. لا توجد أحداث عاديّة ورجال عاديّون. في انفصامنا، أو بالأحرى في تاريخنا، فقط أرز، ورجال أرز وأحداث وأفعال يتفوّق فيها اللبناني على الشعوب الأخرى فيحلّق ويعلو أعلى من بطل فليت غريندايزر.ر
مساكين، نحن الشعب اللبناني، ومسكين هو كوكبنا اللبناني. جرّبنا كلّ أنواع الانقسامات والحمدالله. انقسمنا طائفيّا ومذهبيّا ومناطقيّا وعشائريّا وطبقيّا، والآن انقسمنا بل انشطرنا نفسيّا. وبين الانهيار والانفصام يولد لبنان الجديد! د 

رحيل مزدوج

 

 

رحل خالي عفيف. هكذا، من دون إشارة، أو إيحاء،  أو تعبير عن رغبة في الرحيل من الرحيل الأول عن البلاد قبل ٣٥ عاما، إلى رحيل آخر لا عودة منه. كان يفترض بالرحيل الثاني أن يكون عودة إلى الوطن ليس بمعناه التنميطي، بل كخيار لا مفرّ منه  لمن أثقل الاغتراب كاهله وأضناه. لم نتوقع عودته مُحمّلا في نعش، بل انتظرناه هابطًا من على سلّم الطائرة، واقفًا في طابور ختم الجوازات في المطار، متأفّفا من قلّة التنظيم وانقطاع التيار الكهربائي، ومطلقا العبارة الملكة: كيف عايشين؟

خالي عفيف، خالف كلّ التوقعات. عانده قدره، فحمله إلى طريق لا رجوع فيه. قد تكون المرّة الأولى التي أستخدم فيها اللقب(خالي)، فهو عفيف رفيق الطفولة، والشقاوة والأيام الحلوة. هو عفيف أو «ستوف الراعي» (شخصية في مسلسل لسميرة توفيق ومحمود سعيد) واحد من ألقابه الكثيرة، إذ كان لكلّ منّا لقبه في زمن لم تكن تُدرج فيه الألقاب في خانة التنمّر، فهذه الثقافة كانت بعيدة عن أساليب المناكفة بيننا. عفيف يكبرنا ببضعة أعوام، نحن صغار العائلة أنا وخالتي غادة وأخي بشار الأصغر بيننا. ولكنّه كان مُصنّفًا ضمن مجموعة الكبار (خالاتي واولاد اعمامهم ورفاقهم …) كبار بفارق أعوام قليلة أيضًا، ولكنّهم اعتادوا إبعادنا عن طريقهم بشتى الطرق: يخوفوننا من الجنّ والصالحة التي ستأتي إلينا في لباسها الأبيض لتخطفنا. رعب لازمني أعواما طويلة، أو بالأحرى لم يفارقني حتى الأمس القريب. يتفنّنون في استبعادنا عن عالمهم ليسهروا في ساحة بيت الضيعة، وتحت العريشة، وفي بيت ابو بشارة، يتبارون في إطلاق النكات والقهقهات حتى الفجر. أمّا نحن، فنغطي رؤوسنا باللحاف خوفا من الصالحة، حليفتهم في إحياء السهرات.ت

في الطرف الآخر من الضيعة يقع بيت عمّتي. العلاقة هناك مختلفة. لا ألقاب ولا صالحة ولا جنّ، بل فيض من الحب والاهتمام. أنا وأخي بشار (لم يكن الأشقاء الثلاثة غادي جاد ونامي قد رأوا النور بعد) «ولاد الغالي». في بيت عمتي، ابنها رشيد. وهو ابن خال عفيف أيضًا. اهل الضيعة كلّهم أقرباء. رحل رشيد  بعد يومين من رحيل عفيف. كان رشيد الأقرب إلينا. كأنه صلة الوصل بين العائلتين اللتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين. والثقافة في حينها كانت ترتبط اولا وأخيرا بالانتماء السياسي والعمل الحزبي. في بيت جدّي لأمي أيقوناتنا هم لنين وماركس وانجلز، وشعارنا هو المطرقة والمنجل. وفي بيت عمتي إيمان وتقوى وبعد عن العمل السياسي. كان رشيد في منزلة بين منزلتين. كان حالمًا وطموحًا ومحبًّا للحياة. كان رومانسيّا، رقيقًا وسريع الانكسارلأنّه يملك قلب طفل حافظ عليه حتّى يوم رحيله. لم ترحمه الحياة،  فعاش في غربة ووحدة بعدما سحقت أحلامه في تأسيس عائلة  وهزمته بقساوتها  وظلمها، ثمّ اجتاحه المرض، وكان الرحيل الذي استعجله بنفسه.ه

                           *****                                   

هجرنا الضيعة التي لجأنا إليها هربًا من جحيم الحرب في بيروت واقمنا فيها صيفًا كاملًا عام ١٩٧٦، ثم عدنا إليها في هروب آخر في العام ١٩٨٣. لم نعد في عودتنا الثانية صغارا. أمّا هم فقد اصبحوا كبارًا فعلًا لا ادعاءً، وتحوّلت أحاديثهم إلى نقاشات في الحرب والسياسة. رحلت الصالحة عن فضائنا بعد أن عشّشت في مخيلتنا، وبقينا مدلّلين في بيت عمّتي الذي كان يلجأ إليه أخي بشار كلّما اعترض أحد عل شقاوته أو حاول أن يلجمها.ا

                                                                                                                                                        هجرنا الضيعة هذه المرة من دون عودة اليها حتى التحرير في العام ٢٠٠٠. تفرّق الشمل، وأصبح عفيف مقاتلًا في صفوف الحزب الشيوعي، ورشيد منصرفًا إلى تأمين نجاته ونجاة والديه وأخوته من الحرب في هروب متواصل من منطقة خطرة إلى منطقة أقل خطورة بين بيروت وعاليه والجنوب.ب 

اذكر أنّ في لقاءاتنا اللاحقة، كان عفيف يخبرني  عن المعركة ضد حركة التوحيد في طرابلس، يحكي ويحكي، يحكي ويبكي عن رفاقه الذين استشهدوا إلى جانبه، عن الطنين في أذنيه بسبب القنابل التي تنفجر حوله،  عن تآمر منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي حاولت الدخول مجدّدا إلى لبنان من بوابة طرابلس في تحالفها مع قوى التوحيد الإسلاميّة. هذه المعركة التي أظن أنّها حسمت خياره في رحيله الأول إلى الاتحاد السوفياتي كما كان اسمه في حينها.ا

                       *******                              

رحل عفيف ثمّ لحق به رشيد بعد يومين فقط بمشهد سوريالي يذكّر بالتراجيديا الإغريقية، إذ تشابهت حياتهما ومعاناتهما رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بيروت عن موسكو. علق عفيف في اغترابه كما علق رشيد في وطنه، يائسان، كئيبان ووحيدان.  عاشا غربتين تحمل كلّ منهما نكهة المرارة والقهر والظلم، ظلم الحياة والحظ العاثر.عدنا بالأمس إلى الضيعة، وانتقلنا بين بيت جدّي في أول الضيعة وبين بيت عمتي في طرفها الآخر، ليس هروبًا من الصالحة والجنّ ولا بحثًا عن دلالٍ إضافي، أو بنيّة ابتزازٍ عاطفي للـ«كبار». كنّا نكفكف الدموع ونرتق الجراح التي فُتحت على طول المساحة الفاصلة بين البيتين.ن

…خالي عفيف وابن عمتي رشيد: وداعًا

إقفال «بلو نوت» : نوتة إضافية في موسيقى حزينة وجنائزيّة   

BLUE NOTEblue note cafe

أقفل الـ «بلو نوت» أبوابه. خبر قديم، لم أعلم بحدوثه. وحين علمت تأكدت أنّني أعيش الموت أو بالأحرى أنّنا كلنّا نعيش موتنا، نحن وبيروت، المدينة التي كنّا نتباهى بها وبالانتماء إليها. المفارقة المُحزنة، أنّني علمت بخبر إقفال الـ «بلو نوت» من صديقتي الفلسطينيّة التي أمضت قسطًا وفيرًا من حياتها في لبنان ولا تزال تحج إليه بين الحين والآخر. صديقتي التي استعنت بها في زيارتها الأخيرة لأرى بيروت التي عرفناها وأحببناها بعينييها وذاكرتها التي لم يشوّهها  الدماروالخراب اللذان يحاصرننا، نحن العالقين في هذه المدينة ومعها.ا 

أقفل الـ «بلو نوت« أبوابه. قالت لي، واستغربت كيف لا علم لي بذلك. ابتسمت ولم أجبها. حاولت أن أقول كلامًا لطيفًا، إذ لا يجوز أن نُحبط أصدقاءنا الزوّار ونبثّ طاقتنا السلبية والموسم السياحي في أوجه، ولكني لم أجد ما يُقال. «لو كنّا نملك القدرة والطاقة لرصد تحوّلات المدينة الجذريّة، لما تحوّلت في الأرجح». ابتلعت الإجابة في جوفي.ي

لا أدري أيّهما أصعب ، أن ترثي عزيزا خطفه الموت أو أن ترثي مكانًا خنقه موت المدينة فشكّل غيابه موتا على موت ؟ قد يبدو السؤال غير منطقي، أو يفتقر طارحه إلى الحس الإنساني، فالمقارنة غير متكافئة بين الحياة والجماد. ولكن من قال أن الأمكنة هي جماد صرف؟  أوليست مصنوعة من ناس وأصحاب وذكريات وقصص وحب، كثير من الحب؟ كيف تُرثي كلّ هؤلاء دفعة واحدة؟ كيف تحتمل غياب المكان بكلّ تفاصيله التي تتحوّل إلى تراكم صور وفيض أحاسيس تجتاحك لحظة يأتيك الخبر. المكان صداقة من نوع آخر. صديق لا يتذمر. لا يمارس أنانيته عليك. لا يسرق منك الحديث. صديق ينصت إلى صمتك ويحفظ أنفاسك التي تختلط برائحته. صديق يحتمل صخبك وهيجانك ولا يرهقه سكرك ورقصك وحتى غناؤك النشاز. لا يتذمّر ولا يتنمّر. يحتفظ لك المكان_ الصديق بكلّ اللحظات، جميلة كانت أم حزينة، التي جمعتكما معًا ويفلشها أمامك إذا جدّدت الزيارة بعد غياب أو مررت بمحاذاته صدفة ، أو امتلك  هو الجرأة التي تنقصك للاعتراف بغيابه والإعلان عنه. المكان صديق تغرق في داخله، فيحتضنك بكلّ حبّ ولا يفشي بسرّك. وكلّما زرته ابتسم، ابتسمتما وتواعدتما على مزيد من التواطؤ. فكيف لك ألّا تحزن علي غيابه. كيف لك ألّا تفتقده وترثيه وتبكيه وتبكي حالك التي هي جزء من حاله.ه

أقفل الـ «بلو نوت» قبل عامين أو اكثر. قبل جائحة كورونا ، قبل رقصات الدولار المتواصلة. انسحب من المشهد المديني بهدوء. قفز من المركب قبل غرقه. كأنّ في إقفاله مؤشر لكلّ ما  سيحصل. انهزم، فاستسلم  بأناقة من دون نحيب واستعطاف واستجداء، من دون هاش تاغ واستعراضات “مثقفين ومثقفات”. أقفل فحسب.ب 

لم يكن الـ«بلو نوت» مجرد حانة أو نادٍ ليلي. كان فضاءً للإبداع الموسيقي ومعلمًا أساسيّا في تشكّل هويّة المدينة في أواخر ثمانينيّات القرن الماضي. اسمه يدّل على نوع الموسيقى التي كان يقدمّها، موسيقى الـ بلوز والجاز التي جاء بها من مصدرها الأساسي، فاستضاف أهم العازفين والمغنيين العالميين أمثال إيدي كينغ، واندرو هيل، وتيكس ألين، وميليسا والكر وسواهم ممن تركوا بصماتهم في فضائه، وصورهم مُعلّقة على جدرانه، كتأكيدٍ إضافيّ على مرورهم الذي حفرعميقًا في ذاكرة كلّ من استمع إليهم في حينها.ا

دخلت إلى الـ «بلو نوت» للمرّة الأولى في مطلع التسعينييات، وكنت لا أزال طالبة جامعيّة، تتلمس طريقها وتسعى إلى تكوين شخصيّتها المستقلّة بعيدًا عن مسموحات العائلة وممنوعاتها. شخصيّة تختار موسيقاها(الجاز)، وحانتها المفضلة(بلو نوت) ومشروبها(النبيذ) وسيجارتها السريّة(الجيتان) وتستبدل الطعام المنزلي التقليدي بطعام من نوع آخر، فتكتشف مثلا الـ«بينيه أرابياتا» التي ستصبح طبقها المفضّل بدلًا من المعكرونة التي تمقتها. شخصيّة سوف تأكل كبيس الخيار والزيتون الأخضروكأنهما صنعا مرّة واحدة بكميات تكفي لأعوام مديدة، فالطعمة لن تتغيّربين أول مرّة تذوقتهما في  الـ«بلو نوت» قبل ثلاثة عقود وآخرمرّة وضع الصحن أمامها  في زيارة إليه لم تكن تدري أنها ستكون الأخيرة. شخصيّة تخرج الى الحياة للمرّة الأولى من دون الخوف من قصف عشوائي أو قنص أو قتل على الهوية. شخصيّة تتعرّف على المدينة التي عاشت في ملاجئها أكثر ممّا عاشت في بيوتها وشوارعها وأزقتها.ا

سحرني الـ «بلو نوت» منذ زيارتي الأولى، ولم يزل السحر حتى بعد أن أصبحت من رواده الدائمين. حبّ النظرة الأولى لم يقلّل مرور الأعوام وتكرار الزيارات ظهرًا ومساءً من كثافته وحرارته. أذكر أنني احتفظت بالورقة التي توضع تحت الأطباق، وقد طبع لوغو الحانة باللونين الأخضر والأزرق على كامل مساحتها. علّقت هذه الورقة فوق سريري معلنةً انتمائي الى هذا العالم وهذه الموسيقى وهذا المكان الذي تعرفت فيه على أهم عازفي موسيقى الجاز في لبنان ومنهم توفيق فروخ وعبود السعدي وأفو توتنجيان وهاني سبليني وبسام سابا ووليد طويل. وهناك شاهدت زياد الزحباني عن كثب غارقا خلف البيانو واستمعت واستمتعت بموسيقاه. أن تراقب شغفه بالموسيقى من على كرسي عالٍ في زاوية البار، متعة تميّز الـ«بلو نوت» في تقديمها لروّاده من محبّي الرحباني وكنت منهم ولا أزال. لم أكن أفوّت حفلة من حفلات الـ«بلو نوت» حتّى تلك غرّدت خارج سرب الجاز، فاستضافت شربل روحانا ووتره السادس، وشانتال بيطار (من الجيل الجديد) وصوتها الساحر وسواهم ممن شكلوا إضافة نوعيّة ومنحوا المكان خصوصيّته المميّزة.ة

حافظ الـ «بلو نوت» خلال اثنين وثلاثين عامًا على شكله وروحه وموسيقاه وأطباقه الشهيّة. وما زاده أصالة، طاقمه  الذي لم يتبدّل معظم أفراده، وفي مقدمّهم سليم خلف البار بهدوئه المعتاد وابتسامته التي لا تزيد ولا تنقص مثل كل ما  في هذا المكان، لتشكّل جميع هذه العناصر نوتة إضافية في موسيقى أصبحت حزينة وجنائزية مع أقفاله.ه                                                  

الله يهدكم متل ما هديتونا

 

 

 

1630690861_0

حين كنت أعمل في مهنة الصحافة، كان شهر كانون الأول مخصّصًا لتحضير مواضيع مرتبطة بجردة أحداث السنة. لا أدري لماذا كنت أتحمّس لهذا النوع من المواضيع، علمًا أنني أخشى انقضاء الأيام التي يلازمني شعور دائم أن سرعة جرييها تزداد. وأظنّ أنّ العدد الوحيد الذي كنت أقرأه كاملًا وأحتفظ به أحيانًا في أرشيفي الخاص هو هذا العدد السنوي رغم أنني لا أحسن احتساب الأعوام، وكلّ ما حصل أدرجه في خانة الأمس القريب حتى لو مضى عقد أو أكثر على حصوله. أحبّ جردة ألاحداث السنوية لسببٍ لا أفقهه. قد يكون حب من دون سبب، ولكنّني أبغض الجردة الخاصة على المستوى الشخصي، تمامًا كما تستفزّني القرارات «المصيريّة» المرتبطة ببداية السنة الجديدة.ة 

بعد أن تحرّرت من وظيفة مهنة الصحافة، افتقدت إلى هذه الجردة من ضمن قائمة أشياء أخرى في مقدمتها رصانة المهنة نفسها أسوق هذه المقدمة ويدور في بالي سؤال واحد، ماذا عن جردة أحداث هذه السنة؟ هل تستحق المواضيع أن تُقسّم ضمن فئات وأبواب في السياسة والاقتصاد والاجتماع؟ أم أنّ عنوانًا واحدًا يُغني عن كلّ التفاصيل التي أضحت من دون أي قيمة مُضافة سوى العلك؟ عنوان واحد: الإنهيارالتام، الكليّ الشامل وسواها من المفردات التي تعزّز معنى الانهيار من  دون الحافة والشفير اللتين أصبحتا خلفنا، بل فوقنا بكثير إلى حدّ لم نعد نميّز حدودهما. هل تستحق مواقف السياسيين الكرام قاطبةً أن تُستعرض وتُحلّل وتُناقش إلّا في حال كانت الغاية التأكيد على أنّهم جميعًا نصّابون ومجرمون و”حرامية” ومتواطئون، وليست الخلافات التي تطفو على سطح الأحداث  بين الحين والآخرسوى تضارب في المصالح الشخصية سرعان ما يُعاد ترتيبها بما يخدم بقاؤهم في السلطة. هل تستحق قرارات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالتكافل والتضامن مع الطبقة السياسة الحاكمة وجمعية المصارف أن تُسترجع وتُفنّد للقول أنّهم تفوقوا على أنفسهم في نهب البلد؟ قد يفيد استرجاع القرارات لإصدار كتيب تحت عنوان: «كيف تنهب البلد في عشرة أيام» يُضاف إليه عبارة ب«وقاحة» أو «من دون يرّف لك جفن» لتعطي المضمون بعده اللبناني.ي

في جردة السنة مشاهد انتحارٍ وجوعٍ وفقرٍ وتسوّل تتكرّر كلّ يوم لتطغى على ما عداها من أحداث وأقوال وتحليلات. أيّ موقفٍ لسياسي يستحق أن يُسترجع ويُحلّل ويُناقش أمام قصة الشاب الذي انتحر في صور لأن الموت أكثر رحمة من حياة الذلّ التي يعيشها؟ في يوميّات بلدنا الذي نُهب رجلٌ في عقده السادس يركن سيارته في منتصف الطريق مُدّعيًا أنّها فرغت من البنزين لأنّه يخجل أن يتسوّل ثمن رغيف الخبز. ليس في ادعائه أيّ نصبٍ أو احتيالٍ، فتعابير وجهه كانت تشي بخجلٍ وارباكٍ كبيرين حالا من دون أن ينظر في وجه من يتسوّل منهم. في يوميّاتنا أيضًا وأيضًا شاب يجهش في البكاء أمام سيّدة  قدّمت له مبلغًا من المال أكثر ممّا كان يتوقّعه لشراء دواء لوالدته، وجندي يقول له الموظّف في المصرف أنّ حسابه مكشوف على ثلاثمئة ألف ليرة لبنانية، فيجيبه الجندي أنه يحتاج الى 50 الف ليرة فقط ليلتحق بمركز خدمته في النبطية، وعائلات افترشت الشارع لأنها لا تملك تسديد ايجار منزلها بعد أن أصبح راتب ربّ المنزل يُعادل ثمن منقوشة زعتر. قصص الذلّ لا تنتهي في بلاد الأرز، ولو أراد كل منّا أن يكتب ما يُصادفه في يوميّاته، قد لا تكفيه صحف العالم ليروي قصص ناس ناموا مطمئنين لمستقبلهم ومستقبل أولادهم، واستيقظوا في صباح اليوم التالي ليجدوا أنّهم انتقلوا إلى الضفة الثانية وأنّ كلّ ما جمعوه تبخّر، وأن عليهم أن يسمعوا لَعْيَ السياسيين وكذبهم ونفاقهم وأن يكونوا شهودًا على أكبر عملية نصب في التاريخ. في جردة السنة، لم تعد تنطلي على أي عاقل، أنّ الازدحام في بعض المطاعم والمقاهي والنوادي الليليّة دليل على عافية لبنان وقدرته على التغلب على الصعاب. عملية حسابية بسيطة تربط بين عدد المرافق التي ما تزال تعمل وقدرتها التشغيليّة وعدد روادها اليومي والأسبوعي والشهري (يمكن أن يجريها طالب في صف الخامس ابتدائي من دون الحاجة إلى عبقرية مهندسي السياسة المالية اللبنانية) تؤكد أن هذا مؤشر لا يُبنى عليه حتى الانطباع الإيجابي، فكيف بخلاصة اقتصادية كاملة متكاملة! أمّا أصحاب الطاقة الإيجابيّة وأصدقاء طائر الفينيق، فنقول لهم إن النعامة رفعت رأسها من الرمل على وقع صراخ اللبنانيين وعويلهم وطائر الفينيق قصّ جناحيه حتى لا يحلق مجددا على أنقاض البلاد والعباد، وأنتم تحبّون الارتفاع ولو على خازوق… فهنيئًا لكم. في جردة سنة مليئة بالقهر والمآسي والذّل، لا أجد سوى أدعية جدتي لتنفيس بعض الغضب والاحتقان:«الله يهدكن متل ما هدّيتونا» على أمل أن يشّق الله نافذة السماء ويسمع!ع

ملاحظة : سبق أن نُشر هذا المقال على صفحتي على فايسبوك بتاريخ21 كانون الأول 2022 

حكش المنخار بـ 30 فريش دولار في مصيدة (مطار) رفيق الحريري الدوليّة

facebook_1655869341834_6945219403932179085

 

 أ«أهلًا وسهلًا بكم في مطار رفيق الحريري الدولي»، عبارة تحتاج إلى تحديثٍ تماشيًا مع التطورات المُستجدّة في هذا  المرفق الحيوي. فيُمكن على سبيل المثال لا الحصر وتوخّيًا لمزيدٍ من الدقّة، إستبدال كلمة مطار بكلمة مصيدة لتصبح العبارة على الشكل التالي: أهلًا وسهلًا بكم في مصيدة رفيق الحريري الدوليّة. والقاموس العربي غنيٌ بالمفردات التي تساعد في وصف ما يحصل في هذا المطار بشكلٍ مختصرٍ ومباشر ومن دون تنميق أو لفّ ودوران ومنها: السرقة، النهب، التشليح..الخ. وأحدث عمليات النهب التي يتعرّض لها القادم إلى بلاد الأرز هي بدعة الـ «بي سي آر». إنّها الكرزة التي تزيّن هرم الفساد والنهب في المطار. إنّها أشبه بالخوّة، إذ لا مفرّ من إجراء الفحص تحت طائلة الإقامة الجبرية في المطارإلى حينه، ومن يدري ربّما السجن. هذا الفحص- الخوّة ليس التفاحة التي بلغ ثمن الحبّة الواحدة منها 4 آلاف ليرة يوم كان الدولار يعادل 1500 ليرة، ولا هو فنجان الشاي الذي بيع بثمانية آلاف ليرة في الفترة عينها (استخدام أمثلة من الماضي للدلالة على أن للسرقة تاريخ عريق في هذا المرفق الحيوي) ولا هو تاكسي المطار الذي يُسعّر ثمن الرحلة حسب شكل المسافر وحجم حقيبته والوجهة التي جاء منها، وقد يتجاوز ثمن التاكسي أحيانًا ثمن تذكرة السفر. يمكن لأي مسافر ألّا يأكل التفاحة ولا يشرب فنجان الشاي ويتجنب تاكسي المطار إذا استطاع إلى ذلك سبيلا من دون أن يلاحقه السائق ” تاكسي استاذ، تاكسي مدام”، ولكن الأكيد أنّه لن يستطيع الإفلات من الـ «بي.سي.آر». وحتى لا تسوّل لأي مسافر نفسه التهرّب من إجراء الفحص، فإن الدفع سلف عبر ما يُسمى بـ “م.و.ف”، وهو تطبيق اخترعته وزارة الصحّة، يُدخل بواسطته المسافر إلى لبنان كلّ البيانات المُتعلّقة باللقاحات التي حصل عليها مضافة إليها صورته الشخصية لمزيد من الشفافية، وذيّلته بدفع 30 دولار عبر البطاقة الإئتمانية. وكأنّ وزارة الصحّة تعمل خارج الكوكب اللبناني، أو فاتها في ظلّ انهماكها في السهر على صحّة المواطنين والمواطنات وتأمين الدواء لهم، أنّ امتلاك بطاقة إئتمانية غير متوفّر حاليّا بعد أن نهب مصرف لبنان بمعاونة المصارف كافةً أموال المُودعين. ولكن، في المقابل، من المُجحف بحقّ وزارة الصحّة عدم الإشارة إلى أنّها سمحت مشكورةً الدفع عبر البطاقة الإئتمانية بالعملة الوطنية، أي الليرة اللبنانية، ولكن ليس على سعر الصرف الرسمي أي 1500 ل.ل ولا على سعر اللولار أي 8000 ليرة ولا بينهما، بل على سعر السوق السوداء. التفسير؟ لا تفسير غير «للسرقة عنوان، ومش عاجبك خليك محل ما كنت». ت 

قد يكون مطار رفيق الحريري الدولي هو المطار الوحيد أو أحد المطارات القليلة التي تفرض إجراء هذا الفحص قبل أن تطأ أقدام الواصلين أرض الوطن أو «أرض الأحلام» بالنسبة إلى السيّاح الذين «يتسابقون» لزيارة هذا البلد العجبة!ّ وليس هذا فحسب، بل تفرض وزارة الصحة عبر منصة«م.و.ف» على القادمين إلى لبنان إجراء فحص«بي سي آر» قبل 24 ساعة من ركوب الطائرة في البلد الإقلاع، وذلك في إطار المزيد من الحرص في الحفاظ على الهواء النقي في لبنان والبيئة الخالية من أي أمراض وبائية مُعدية. وهكذا، تكون وزارة الصحّة اللبنانيّة قد تفوّقت في معايير السلامة على وزارة الصحة العالمية ومجمع الأطباء والخبراء حول العالم الذين أكّدوا أكثر من مرّة أن لا معنى أو قيمة لإعادة فحص الـ «بي سي أر» خلال 24 ساعة في حال عدم وجود عوارض. ومن ثبت أنه سلبي قبل ركوب الطائرة ما الجدوى من إعادة الفحص فور نزوله منها. الإجابة البديهيّة: 30 فريش دولار.ر

إنّها مصيدة بكلّ معنى الكلمة، يبدأ رمي شباكها في المطار الذي تنطلق منه رحلتك، إذ كما يبدو واضحًا أنّ وزارة الصحة عمّمت على شركات الطيران القادمة إلى لبنان التأكد من ملء القادمين إستمارة«م.و.ف» قبل ركوب الطائرة، ما يعني ضمنًا دفع مبلغ 30 دولار فريش، وما يعني أيضا إجراء الفحص «بي. سي. آر» في بلد الإنطلاق إذ وجب إدخال رمز الفحص لإنجاز الاستمارة وتفعيلها. وتطبق المصيدة على الواصلين  ما إن يتجاوزوا نقطة الأمن العام حيث يجدوا أنفسهم في منطقة الـ «بي. سي. آر» المُحصنّة بحراسة تمنع أي محاولة تسلّل إلى خارجها. والملفت، أن غرفا خشبية قد بنيت لهذه الغاية، فالأمر ليس تدبيرا مؤقتا، بل استثمارا طويل الأمد.د 

 صحة المواطن هي الأهم. قد تصلح هذه العبارة أن تُرفع شعارًا لحملة محاربة كورونا في مطار بيروت الدولي حتى تكتمل الطرفة. ولا ضير في مزيد من التوضيح والشفافية ليُصبح الشعار: «صحة المواطن هي الأهم مقابل ثلاثين دولار فريش فقط لا غير». وإذا كان لا بدّ من وصف دقيق للوضع يكون العنوان الأفضل: «حكش المنخار ب 30 فريش دولار». ر 

2022 ملاحظة: سبق أن نشر هذا المقال على فايسبوك بتاريخ 22 كانون الثاني

في تفوّق اللبنانيّة على السورياليّة

IMG-20201029-WA0046

حين يعجز اللسان عن الوصف أو حين تفوق المسألة، أي مسألة القدرة على التخيّل، يُحال الأمر إلى السورياليّة. إنّها الملاذ الآمن والمُنقذ من الإعتراف بالفشل في تفسير أي ظاهرة أو في فهمها أو حتّى في  قبولها. لكن حين لا تعود السورياليّة مُعبّرة عن واقع الحال، فلا بدّ أن الحديث يطال لبنان واللبنانيين. أن تصف الوضع أي وضع بالسوريالي، فهذا يعني أنك لم تبلغ الحالة اللبنانيّة بعد، أو أنّك لا تعرف ما هو لبنان ومن هم اللبنانيّون، رغم أن صيت البلاد كما صيت مواطنيه بات ذائعًا هذه الأيام

باتت عبارة لبنان أو لبناني هي الصفة الأنسب، بل الأصح في التعبيرعن الحالة ما«فوق السورياليّة » فبدلا  من القول ما هذه القصة السورياليّة، يُمكن القول ما هذه القصّة «اللبنانيّة» ليصبح المعنى أكثر دقّةً وبلاغة. والقرائن متوفّرة على المستويات كافة بدءًا من الشأن السياسي مرورًا بذلك الإقتصادي فالمعيشي وصولًا إلى الشأنين الإجتماعي والإنساني. ففي السياسة مثلًا، يتلهّى السياسيّون في لعبة توزيع الحصص والتأخر في تشكيل الحكومة والحرد والحرد المضاد كأنّهم يعيشون في عالم إفتراضي يقتصر فيه التفاعل على قلوب ملوّنة أو مكسورة أو أصابع زرقاء تبصم فترفع من رصيد هذا  اللاعب مقابل ذاك، علمًا أنّه في النهاية وكما يقول المثل الشائع «كلّو عند العرب صابون». وما همّهم أيّ أصبع أزرق يُرفع في وجههم أكان الخنصر أم الأوسط، فالبلاد هي لعبتهم المفضّلة لتقطيع الوقت وقتل الممل بانتظار إنتهاء جائحة كورونا يقرأون فيها حركة الأصابع وفق أهوائهم وحاجاتهم لها، أو يهزأون منها ويتجاهلونها، هكذا بكل بساطة.  يلعبون ويلعبون فقط متجاهلين ما يجري حولهم. إنفجار مرفأ من هنا غرق سفن الموت في طرابلس من هناك، موت مجاني في كل مكان؛ لاشيء يبدّل من مسار يوميّاتهم: يستيقظون  صباحًا، يتأنّقون، يتعطّرون ويبدأون نهارهم رافعين شعار: «إعمل نفسك ميت» كما يقول المصريّون. هذه ليست أحداثًا سورياليّة، ففي السورياليّة بعض من الواقعيّة، أما في «اللبنانيّة» فلغة الطلاسم هي السائدة 

قد يعتبر البعض أنّ لا تجديد في اللعبة السياسيّة اللبنانيّة، وأنّها باتت تفتقر إلى المخيّلة رغم أن أبطالها ما زالوا ملوك الساحة كأنّهم يتناولون مضادات الفناء. وهذا البعض مُحقّ في اعتقاده وخصوصًا أنّ الإبداع انتقل إلى المشهد الإقتصادي حيث المرح، كلّ المرح. ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان بهمّة مصرفييه، وعلى رأسهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تبوّأ المركز الأول في ابتكار قوانين وأنظمة ماليّة جديدة، قد يحتاج أعرق خبراء الإقتصاد وأكثرهم علمًا ومعرفة ونباهة إلى سنوات وسنوات لفهم علم المنطق التي يحكمها. ومن المفيد، بل من الضروري أن تُجمع كلّ القرارات الاقتصاديّة ونظام “الخرجيّة” الذي اتبعه النظام المصرفي في لبنان بعد أن وضع يده على أموال (المودعين صغارهم طبعًا وليس كبارهم) وتدرّس في الجامعات تحت عنوان: «كيف تنهب بلدًا في 24 ساعة». لذا، فإنّ وصف الوضع الإقتصادي في لبنان بالسوريالي، ينطوي على انتقاصٍ كبير وغير مقبول لفرداته وغرابته. ونظرًا لعجز اللغة العربية عن مواكبة التطورات في بلاد الأرز، وإيجاد المفردات المناسبة التي تجسّد حالتها، فإن استخدام عبارة “لبنانيّة” باتت تفي بالغرض وهي تعني تجاوز السورياليّة بأشواط، ومن صدّر الحرف ذات عصر إلى العالم، له كامل الحق في إضافة أوصاف جديدة إلى اللغة. هذا إذا أردنا مقاربة الموضوع من زاوية إيجابية إرضاءً لمن يخشون دائمًا على تشويه صورة لبنان في الخارج. لا مُبالغة أو تضخيم في وصف الوضع الإقتصادي  إنّها الحقيقة التي يُصدّق عليها السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يذوقون الذلّ أشكالاً وألوانا كلّما احتاجوا إلى سحب رواتبهم. الرواتب وليس الإيداعات لأنّ الأخيرة أتاحت للبنان تسجيل براءة إختراع في علم الكمياء تحت عنوان: «كيف تحوّل العملة الورقية ولا سيّما الخضراء منها إلى بخار». لا تكتمل الحالة «اللبنانيّة» بمعناها الـ «ما فوق السوريالي» من دون الإشارة إلى المواطن اللبناني نفسه. هنا، يصبح الوضع معقّدًا إلى حدّ كبير ويحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق لفهم تكوين هذا المخلوق من دون الوصول إلى نتائج أكيدة ومحدّدة. لم تعد نصرة الزعيم، أو التصفيق لكبير الطائفة، أو الاختلاف في الرأي الذي يتحوّل إلى خلاف وقطيعة بين أعز الرفاق والأصدقاء، من الأمور المُستهجنة رغم فظاعتها. لقد انتقلت هذه الحالات إلى خانة الأشياء التي نعتاد عليها، فنقبلها ونتأقلم معها بصفتها جزءًا من هوية وليست دخيلًا عليها. فلبناني اليوم يشبه السلطة في أدائه، وإن كان يقف في المقلب الآخر. هو أيضًا يستيقظ كلّ صباح، يشتم ويلعن الطبقة السياسية الفاسدة، يهدّد ويتوّعد متسلّحًا بوسائل التواصل الإجتماعي التي يخوض من خلالها أعتى المعارك «الدونكيشوتيّة» يهلع من صوت الرعد الذي يذكرّه بانفجار 4 آب، يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بكوابيس ليله الطويل منذ ذلك اليوم المشؤوم، يعجن الطحين العراقي الذي أتلفه الشتاء في مستودعات المدينة الرياضيّة بالسمّ ويطعمه (افتراضيّا) إلى الطبقة السياسيّة الجاحدة التي تجوّع شعبها، يستنفد كلّ الـ «إيموجي» التي يتيحها له مارك زوكربيرغ للتعبيرعن تقبلات مزاجه وحالته النفسيّة المتدهورة، يخترع هاشتغ #فيلينغ كما تفعل كاتبة هذه السطور، إمعانًا في مزيدٍ من التعبير، يسترجع يوميّات ثورته المبتورة بحنين وأسى لا ينقصهما سوى صوت الكمان أو الناي للخلفيّة الموسيقيّة، يشعر أّنّه أتّم واجباته الإنتقاميّة على أفضل وجه وحصل على التفاعل والتصفيق الاجتماعيين اللازميين للتأكيد على أنه يسيرعلى طريق الصواب لاستعادة حقوقه وحقوقه زملائه المواطنين المهدورة. يمسح عرق انفعاله، ثم يخرج من البيت ليتابع حياته مزوّدًا بنوتات مختفلة من ال«نق» يستنبطها من أجواء ألعاب أبطال السلطة وبطلاتها. يقف في الطابور أمام المصرف للحصول على ما يتصدّقون عليه من راتبه، هذا الراتب-الفتات الذي خسر ثلثي قيمته بعد تدهور سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي. يلعن، يشتم، يتوعّد، يُهدّد ويفتح هاتفه الخليوي ليسجّل مواقف مدويّة على صفحات التواصل الاجتماعي. يقع في هذه الأثناء على إعلان لتصفية على البضائع في أحد المتاجر التي تبيع علامات تجارية عالمية، يهرع إلى هناك ويحجز لنفسه مكانًا في الطابور الطويل 

 المشهد ليس سورياليّا، إنه لبنانيّ بامتياز. نجمة جديدة تعلّق على صدر هذا الوطن إلى جانب أكبرصحن حمص      

صفقة مع عزرائيل

لم يبق أمامي سوى الله ليجيبني على جملة الأسئلة التي تطحن في رأسي وتكاد تفقدني صوابي. دوّنت هذه الأسئلة على دفتر الملاحظات لأسأله بشأنها حين نلتقي، وما دمت مواطنة لبنانيّة مقيمة في ربوع الوطن، فإن اللقاء مرجح في أيّ لحظة. إنّه في الواقع سؤال جوهريّ يمكن أن أختصر به كلّ ما أود مناقشته مع الله بسبب ضيق الوقت وخصوصًا أن الصفّ خلفي قد يكون طويلًا. سأسأله: من أيّ طينة صنع السلطة السياسيّة عندنا في لبنان؟ هل ثمّة عجنة خاصة تختلف في تركيبتها عن العجنة المعتمدة لصناعة سائر المواطنين الآخرين؟ هل غفل عن إضافة المواد التي تحرّك الحواس الخمس مثلًا؟ وماذا عن الشعور؟ هل ينعدم تلقائيّا ما إن يتبوّؤن مراكز في السلطة؟

 هذه بعض الأسئلة التي تقضّ مضجعي عند كلٌ أزمة تواجه لبنان ويتجاهلها السياسيون أو يتعاملون معها كأنٌها لم تحصل أصلًا. تحضر هذه الأسئلة ثم لا تلبس أن تغيب تحت وطأة الضغوطات اليوميّة. لذا، أعمد إلى تدوينها مع تعليلٍ وشرحٍ وافيين حتّى أواجه الله بالأدلة الدامغة في حال استفسر عن أسباب هذه التساؤلات أو أنكر أحقّية طرحها. دفتر الملاحظات مليء بالحجج والأحداث الدامغة التي تؤكد أنّهم مصنوعون من غير طينة البشر.  أحداث لا مجال لذكرها هنا، فكلّ لبناني لديه ما يكفي من التجارب الخاصّة والعامّة التي تخرج هذه المقولة من فضاء الاحتمال إلى عالم اليقين.  أدوية وطعام وماء وهواء فاسد ومسرطن، سرقة ونهب وإفقار وتجويع وبعد… بوقاحة قلّ نظيرها. عينة بسيطة وسريعة تكفي لإصدار أحكام بالسجن المؤبد على كلّ مسؤول لبناني حتّى ولو كان مجرّد شاهد ولكن صامت على تسميم الناس وقتلها.  سأسأل الله عن نوع هذه الطينة، ولماذا خصّ بها الطبقة السياسية عندنا من دون سائر دول العالم؟لماذا؟

في دفتر الملاحظات والأسئلة فتحت قوسين كبيرين يتضمنان أسئلة عن طينة اللبنانيين أنفسهم.  ما هو سرّ قدرتهم على التحمل؟ ماذا عن النسيان ؟ التأقلم ؟ القبول؟ الخضوع؟ هل هي صفات حميدة؟ مميّزات وطنيّة؟ هل تلك هي حقيقتنا أم يتراءى لنا ذلك؟ نظنّ أنّنا أحياء ونحن أموات منذ زمن؟ هل منحنا هذه القدرة لتعذيبنا أم لإعطاء سياسينا مزيدا من السلطة والقوة واللذة ؟ لا سلطة من دون رعايا، ولا قوة من دون ضحايا. هل نحن مجرد عناصر لاستكمال جبروت هذه السلطة التي تستمد قوتها من ضعفنا وعجزنا. سأسأل الله حين نلتقي ولا بدّ له أن يجيبني

هذه أسئلة ما قبل الانفجار؟ انفجار المرفأ الذي لا بدّ أنّ دخانه وصل إلى عند الله، إلى عقر داره، ولا بدّ أنّ الملائكة أصيبت بالاختناق من شدّته وكثافته. أمّا بعد الانفجار لم يعد لديّ الرغبة في معرفة طبيعة الطينة وموادها الأوليّة. كنٌا نلملم أشلاء ضحايانا، كانوا يتأنّقون أمام مراياهم ويسألونها إن كان ثمّة من يتفوّق عليهم، في هذه المعمورة، في بلادة أحاسيسهم. احترقت دموعنا، وجفّ ريقنا، وأصبحنا جثثًا منها ما هو هامد ومنها ما يسير من دون هوادة (فقط في لبنان تتحرّك الجثث، ما استوجب إضافة هامدة؛ الخطأ الشائع لغويًّا على الجثث لتمييزها) وكانوا يتنافسون على المتاجرة   بالدماء التي سالت أنهرًا في بيروت. كنّا نصرخ بأصوات مخنوقه وأنفاس محروقة، وكانوا يعيدون توزيع الحصص في الوطن الإفتراضي التي قالت الشعارات إنّنا سنعيد بناؤه. كنّا نتظاهر، لا لم نكن نتظاهر، كنّا نبكي ضحايا الأمونيوم ونشيّيعهم وكانوا يرمون علينا الغاز المسيّل للدموع ويصطادوننا بالرصاص الحيّ. صمّوا آذانهم وتابعوا جشعهم كأنّ ما حصل لم يحصل. لم يذرفوا دمعةً واحدة، لم يحضنوا أمًّا مفجوعة، لم يكفكفوا دمعة طفلٍ أصبح يتيمًّا في ثوان معدودة. بكانا العالم وهم يتلفّتون حولهم ويفكّرون كيف سيسرقون المساعدات التي انهمرت على لبنان من كلّ حدب وصوب. سرقوا أعمارنا وأموالنا، جعلونا متسوّلين وجعلوا العالم يُشفق علينا. أي مذلّة هذه

 “كنا وكانوا” خطّان لا يلتقيان ولن يلتقيا أبدًا. إمّا نحن وإمّا هم.  ولما كانت تلك هي المعادلة الوحيدة المقبولة اليوم، فقد مزّقت كلّ الملاحظات والأسئلة وعدلت عن توجيه أيّ منها إلى الله. قرّرت بعد ٤ آب أن أتوجّه بحديثي إلى عزرائيل شخصيًّا.  سأساومه على طريقة الساسة اللبنانيين، سأرشيه، سأدفع له بالعملة الخضراء ليخطف  أنفاسهم واحدًا واحدًا على أن يتلف بعدها الطينة التي صنع منها الله الساسة في لبنان، ويتلف الوصفة حتّى لا تقع في يد ملاك فاسد (ساستنا يفسدون الملائكة)، فيرسلها إلى الطبقة  السياسيّة لتعيد إنتاج نفسها إلى أبد الآبدين

الثأر: رصاصة في الرأس وأخرى في القلوب المتحجرة

أكثر ما أحتاج إليه الآن هو آلة التحكّم بالزمن. وحدها هذه الآلة قادرة على أن تعيد إليّ بعضًا من توازني المفقود، أن تخرجني من جنوني الذي تسرّب إلى كلّ حواسي، أن تخفّف من شهوة القتل التي تملّكتني منذ حين لتصبح حاجةً مُلحّةً بعد جريمة مرفأ بيروت. صورة واحدة تُسيطرعلى خيالي الإجرامي الذي لم يكن جامحًا يومًا، أنا التي أدفن وجهي بين يديّ كلّما شاهدت القتل والعنف في الأفلام والمسلسلات. صورةٌ واحدةٌ تُسيطر على خيالي الإجرامي وتلازمني ليل نهار وتزداد وطأتها كلّما تكشّف حجم الدمار والأشلاء وفاضت الدموع واختنق البكاء: أحمل مسدسًا وأصوّب على رؤوسهم واحدًا واحدًا، ثمّ أُطلق رصاصةً أخرى على قلوبهم المُتحجّرة بعد أن يسقطوا أرضًا. عندها فقط قد تعلو وجهي الأسود من شدّة الحزن والأسى ابتسامة رضى.
لا أبحث عن آلة التحكّم بالزمن خوفًا من شهوة القتل التي سيطرت على كلّ حواسي، بل أريدها أن تبقى حتّى تحقيق العدالة لأنّ قتلهم كان واجبًا قبل وقوع الإنفجار الإجرامي وأصبح ضرورةً مُلحّة بعده انتقامًا للدماء التي سالت في بيروت، واحترامًا للشهداء التي زُهقت أرواحهم ظلمًا، وتعويضًا على الأحياء الذين أصبحوا أجسادًا بلا أرواح. أحتاج إلى آلة التحكّم بالزمن لا لأن أعود إلى العصر الذهبي في لبنان الذي سمعنا عنه ولم نعشه نحن جيل الحرب والمأساة، جيل الفساد والفاسدين، جيل الذين يبحثون عن الحياة في مكان آخر. لا، ليس هذا ما أسعى إليه. أريد أن أعيد الزمن إلى الساعة السادسة إلّا ربعًا من عصر ذاك اليوم المشؤوم. أريد أن يقف الزمن هناك، وأن نعود الى روتيننا الذي نشكو منه. أريد أن يشكو الناس من زحمة السير على مدخل بيروت الشمالي، لا أن تتطاير أجسادهم وتتحوّل إلى أشلاء. أريد أن ينقطع الإرسال في هاتفي الجوّال حين أمرّ في محاذاة شركة “تاتش” وأتساءل عن هذا اللغز المُحيّر وخصوصًا أنّني أحمل رقمًا من هذه الشركة وليس من منافستها. لا أريد ان أرى المبنى مهشّمًا وأتساءل من نجا من موظّفيه؟ ومن أُصيب؟ وما نوع الإصابة؟ أريد أن أراقب السيارات وأهزأ ممن يضع كمّامة وهو وحيد في سيارته، أو من يُزيلها وهو سائق “فان” مزدحم بالركّاب لا أحد منهم يلتزم بأدنى شروط السلامة الصحيّة. أريد هذه اللحظة! أريد أن أشتم الكورونا وإجراءات الحكومة التي تنمّ عن إرباكٍ وجهلٍ كبيرين. أريد أن نموت بالكورونا لا بالأمونيوم. أريد أن نختار موتنا لا أن يفرضه علينا المجرمون. أريد حين أمرّ في محاذاة شركة الكهرباء أن أرى ظلال والدي الذي عمل فيها جابيًا. أريد أن أذكره وأترحم على طيبته التي دفعته إلى دفع فواتير عن مواطنين لا يملكون ثمن الكهرباء المقطوعة. أريد هذه اللحظة، ولا أريد أن يموت زملاء له في هذه الشركة تحت جدران تهدّمت فوق رؤوسهم. جدران كان يفترض أن تقع على رؤوس كلّ من قطع عنّا التيار الكهربائي لأعوام وأعوام وأعوام وسرق ونهب ودمّر هذا المرفق الحيوي. أريد أن أسأل عن سعر صرف الدولار، وأقارن الأسعار وأشتم الصرّافين والتجّار ومصرف لبنان وحاكمه، وجميعة المصارف ورئيسها.
أبحث عن آلة التحكم بالزمن لأعيده بضع دقائق الى الوراء، فيعود حمد “الابن الطويل والحلو والمحبوب واللي عيونوعسليّات” إلى والدته التي تنتظره، أبحث عن هذه الآلة بإلحاح من أجل خطيب سحر الذي ينتظرها ليستكملا التحضيرات لزفافهما. أريدها من أجل الصورة التي تنبض بالحياة لفوج الإطفاء والتي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي. أريد لأبطال هذه الصورة أن ينشرونها فخورين بمهنتهم، فأضع لهم قلبًا نابضًا لا أن توضع تحيّة لاستشهادهم، فأضع لهم قلبًا داميًا. أبحث عن آلة التحكّم بالزمن من أجل جو ووالدته التي تنتظره حتى يعود من دوام عمله الطويل في إهراءات القمح، أبحث عنها من أجل الذين رحلوا غدرًا ومن أجلنا جميعا نحن الأحياء – الأموات.
أبحث عن آلة التحكّم بالزمن حتى لا أسمعهم يقولون أن بيروت ستولد من جديد. لا أريد لطائر الفينيق أن يُحلّق مجدّدا في سمائنا لأنّه لا يحضر إلّا بعد موتنا. بيروت تموت مع كلّ اغتيال وموت غادر، بيروت تحيا بأبنائها وتموت معهم . روح بيروت امتلأت ندوبًا، فكيف ستحيا؟ كرمى لكلّ الذين رحلوا لا تقولوا أنّ بيروت ستحيا من دونهم. لن تحيا بيروت ما لم يمت كل من أمعن في قتل روحها.
أريد أن أعيد الزمن بضع دقائق الى الوراء، أريد هذا الوقت، احتاجه بعدما أصبحث جثّة تتنفس فقط، أريده حتّى أفرّغ غضبي وأضغط على الزناد، وأقتلهم جميعًا بدمٍ باردٍ وبسمة رضى.